الوضع المظلم
الأحد ٣١ / مايو / ٢٠٢٦
Logo
  • أحمد بوزان (باڤي أزاد)... الذاكرة السياسية الكردية لجرن الأسود والمنطقة

أحمد بوزان (باڤي أزاد)... الذاكرة السياسية الكردية لجرن الأسود والمنطقة
سردار شريف

تحولت قرية جرن الأسود الكردية في ريف مدينة تل أبيض الحدودية في محافظة الرقة، إلى ساحة سياسية في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، متأثراً شبابها بالفكر الشيوعي والماركسية، والقومية الكردية التي ظهرت بعد انتشار الفكر القومي العربي في المنطقة، رأى الشباب الكرد أنهم أمام موجة كبيرة مرة أخرى إلى طمس الهوية الكردية، بعد مئات السنين من عمليات التتريك التي طمست هوية الشعوب في سوريا وخارج سوريا.

كان الفكر البعثي ينادي بالعروبة في سوريا والعراق ولبنان واليمن والعديد من الدول الأخرى، وتطور الفكر الذي أسسه ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار في الأربعينيات من القرن الماضي، ليصبح بوصلة القوميين العرب. وعلى أساس هذا رأى الكرد أنهم أمام قرارات مهمة يجب أن يتخذوها من أجل أن لا تضيع هويتهم ولغتهم الأم. وتاريخهم الطويل في كل مجالات الحياة.

ولد أحمد بوزان في عام 1957 وهو نفس العام الذي تأسست فيه أول حركة كردية سياسية في العاصمة السورية دمشق، وهو حزب الديمقراطي الكردي في سوريا والذي كان من مؤسسيه،  العديد من الشخصيات الكردية ومنهم نور الدين ظاظا وعثمان صبري وحميد درويش والعديد من الشخصيات الكردية الأخرى.


كانت جرن الأسود في فترتها تبدأ بإرسال أبناءها إلى الرقة المدينة لعدم وجود المراحل ما بعد الابتدائية في القرية ولا في القرى التي من حولها، ليكون أحمد بوزان من ضمن الشباب الذين يخرجون من تلك المساحة الصغيرة، لينطلقوا إلى عالم التعليم والسياسة التي بدأت بسماعهم الاغاني الثورية الكردية التي كانت تتنقل من شخص إلى آخر عن طريق الأشرطة. تزامن هذا مع وصول البعث إلى قمة الحكم في سوريا والعراق لتكون بداية المشوار خالياً تماماً من الهدوء والسلام.

كانت الرقة آنذاك مدينةً صغيرة عندما التحق أحمد بوزان، برفقة أقربائه وأبناء جيله، بالمرحلتين الإعدادية والثانوية. وشكّلت تلك المرحلة محطةً مفصلية في حياته، إذ بدأ منها دخوله إلى عالم السياسة. وبعد اجتيازه الثانوية العامة، عُيّن معلماً في مدرسة الزرزري، حيث كانت تقطن أيضاً عائلات أبناء عمومته من آل الزونجيك، القاطنين على أملاكهم وأراضيهم بين تركيا وسوريا، والذين فرّقت بينهم الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس ـ بيكو. ولم يتم تثبيته من قبل الحكومة السورية بسبب ملفه السياسي.

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، انضمّ باڤي آزاد إلى الحركة الكردية والأحزاب السياسية في سوريا، أول حركة سياسية كردية تأسست في دمشق، كما أشرنا سابقاً. ولم تكن التحديات التي واجهته، ولا تلك التي واجهت شباب العائلة المنضمّين معه إلى الحركة الكردية، بالأمر الهيّن. فقد بدأت الصعوبات من داخل العائلة نفسها، وعلى رأسها والده الذي كان يُعدّ من علماء الفقه الإسلامي المعروفين في المنطقة. كما انقسم الأقارب بين مؤيد ومعارض؛ فبعضهم دعمه، بينما خشي آخرون على أمن العشيرة وسلامتها من بطش الأنظمة الديكتاتورية التي كانت تضطهد الكرد وتقمع مختلف الحركات السياسية الكردية.

بدأت الاجتماعات الحزبية الكردية تُعقد في قرية جرن الأسود، وهناك شرع أحمد بوزان في استقطاب شباب المنطقة، متنقلاً بين القرى مستخدماً الاسم الحركي «أبو عبدو»، وهو الاسم الذي كان يُعرف به بين أهله وأقاربه. وفي تلك الفترة، كان نظام البعث يضيّق الخناق على أي نشاط كردي في جرن الأسود، ولا سيما احتفالات نوروز التي كانت تمثل مناسبة وطنية لتجديد العهد مع القضية الكردية، إذ كانت قوات الأمن السورية تلاحق كل من يشعل النار احتفالاً بهذه المناسبة.

أما مشاركة النساء في الاجتماعات والفرق الفنية الكردية، التي نظّمت نفسها لتقديم العروض والأغاني الثورية، فلم تكن مقبولة في ظل البنية العشائرية المحافظة آنذاك. ومع ذلك، شكّل انخراط أعداد كبيرة من الشبان والشابات في صفوف الحزب نقطة تحوّل إيجابية، دفعت أبا عبدو إلى تحمّل مختلف الصعوبات ومواجهة الخوف الذي كان يسيطر على قلوب الآباء والأمهات في جرن الأسود والمنطقة بأسرها، ولا سيما بعد تأسيس فرقة «كوما بهار»، التي تعني باللغة العربية «مجموعة الربيع».


في منتصف الثمانينيات، افتتح لأول مرة مشروع محو الأمية في جرن الأسود، بهدف تعليم النساء والفتيات من أبناء العائلة والقرى المجاورة. ومع مرور الوقت، بدأ العمل يتطور نحو مطالبات أهل القرية بإنشاء مدرسة داخل القرية، إضافة إلى مؤسسات خدمية أخرى.
غير أن الإجراءات الحكومية السورية آنذاك كانت تتسم بالتأخير والمماطلة في إنجاز المعاملات الروتينية، ما أعاق الاستجابة لتلك المطالب. ورغم الجهود الكبيرة التي بُذلت في ذلك الوقت من قبل أبناء القرية ومن قبله بالذات، كان يتم في كثير من الأحيان افتتاح وتدشين مؤسسات مماثلة في القرى المجاورة لجرن الأسود، والتي سكانها من المكون العربي.

ورغم ذلك، استمر السعي الحثيث لافتتاح مدرسة في جرن الأسود، وهو ما تحقق لاحقاً بعد صعوبات كبيرة، حيث تم تعيين معلمين من محافظات أخرى. إلا أن الواقع التعليمي لم يكن دائماً على مستوى التطلعات، إذ لم يكن اهتمام المعلمين منصباً بشكل أساسي على تطوير العملية التعليمية بقدر ما كان مرتبطاً بالراتب الشهري، إلى جانب ضعف بعض التقارير المرفوعة إلى الجهات الرسمية في بعض الحالات.


كان «هادي» الاسم الذي تناديه به العائلة منذ طفولته، في حين كان اسمه الرسمي المسجّل في دفتر العائلة «أحمد». ولم يكن يعلم بهذه الحقيقة سوى عدد قليل من الناس، الأمر الذي ساعده في نشاطه السياسي وتنقله بين المحافظات السورية والقرى المختلفة خدمةً للقضية الكردية.وفي بداية تسعينيات القرن الماضي، شهد الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا انشقاقات داخلية أدّت إلى تأسيس حزب الوحدة الديمقراطي الكردي «يكيتي»، وكان من أوائل المنضمين إلى صفوفه.

وشكّل وجوده في مدينة الرقة نقطة قوة مهمة للحزب، بعد انضمام عدد كبير من أبناء عمومته وشباب جرن الأسود المقيمين في الرقة وحلب وريفهما إلى صفوفه، إلى جانب عشرات الشباب من عشائر كردية أخرى، من طلبة ومثقفين ورجال ونساء. وتحول منزله إلى مركز لاجتماعات الشباب الكردي، وإلى مكان تُطبع فيه المنشورات باللغتين الكردية والعربية، قبل توزيعها على الطلبة في مختلف المراحل التعليمية. ومع اتساع النشاط السياسي، بدأت رحلة الاعتقالات والتحقيقات التي طاولته وطاولت الغالبية الكبرى من أعضاء حزب الوحدة الديمقراطي الكردي «يكيتي». وبسبب استخدامه اسم «هادي» وكنية «أبو عبدو»، كانت التقارير الأمنية تُكتب بهذه الأسماء غير الحقيقية، وهو ما شكّل له هامشاً للمناورة، إذ كان يؤكد دائماً أنه ليس
 «هادي» ولا «أبو عبدو».


لم تكن انتفاضة قامشلو عام 2004 حدثاً عابراً بالنسبة للكرد في الرقة والمنطقة عموماً، بل شكّلت محطة مفصلية تركت آثاراً سياسية واجتماعية عميقة. ففي تلك الفترة، تعرّض أحمد بوزان لتحقيقات أمنية من قبل جهاز الأمن السياسي، عقب سلسلة اجتماعات مكثفة نُظّمت في مدينة الرقة بمشاركته إلى جانب عدد من رفاقه ومجموعة من الشباب الكرد، وذلك في إطار التحركات السياسية والتنظيمية المرتبطة بالأحداث.
لاحقاً، شهدت جامعة حلب اعتصامات وتحركات احتجاجية قام بها الطلبة الكرد تضامناً مع انتفاضة قامشلو، الأمر الذي دفع السلطات الأمنية إلى تنفيذ حملات اعتقال طالت عددًا من الناشطين والطلاب في كل من حلب والرقة.


وفي ظل تلك الأجواء المشحونة، لم يمر عيد نوروز في ذلك العام بهدوء كما جرت العادة، إذ أقدمت الأجهزة الأمنية على اعتقال أحمد بوزان من بين المحتفلين في مدينة الرقة، ما تسبب بحالة من التوتر والفوضى بين المشاركين في الاحتفال. وقد تركت تلك الإجراءات آثاراً سلبية عميقة على المجتمع الكردي في الرقة، ولا سيما على المنتسبين والمؤيدين لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي، الذين تعرضوا خلال تلك المرحلة لمزيد من الضغوط والملاحقات الأمنية.

وخلال السنوات التي سبقت اندلاع الثورة السورية، التقى أحمد بوزان بعدد من الشخصيات السياسية والوطنية الكردية، وكان من أبرزهم : رئيس حزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البرزاني، إلى جانب شخصيات كردية أخرى ناقشت واقع القضية الكردية في سوريا ومستقبل العمل السياسي الكردي في المنطقة.

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، أعلن حزب الوحدة الديمقراطي الكردي تضامنه مع مطالب الشعب السوري بمختلف مكوناته القومية والدينية. وفي أحد التجمعات الجماهيرية آنذاك، ألقى باڤي أزاد خطاباً باللغة الكردية عبّر فيه عن تضامن الشعب الكردي مع جميع أبناء سوريا، مؤكداً ضرورة بناء دولة ديمقراطية تضمن الحقوق السياسية والمدنية لكافة السوريين دون تمييز، ضمن دستور وطني شامل لا يهمّش أحداً ولا يقمع حقوق أي مكوّن يعيش على الجغرافيا السورية.

في عام 2013، لم تتمكن فصائل المعارضة السورية في الرقة من الصمود أمام تصاعد نفوذ الفصائل المتشددة، لتقع المدينة بشكل كامل تحت سيطرة داعش ، ومن ثم . ومع اشتداد القبضة الأمنية للتنظيم، تعرض العديد من الشباب الكرد للاعتقال والقتل، الأمر الذي دفع معظم العائلات الكردية إلى مغادرة المدينة خوفاً من الملاحقة والتصفية. في تلك الظروف القاسية، غادر أحمد بوزان مع عائلته باتجاه قريته جرن الأسود، إلا أن استمرار الحروب والنزاعات في المنطقة اضطره لاحقاً إلى التوجه نحو تركيا، ومنها إلى إقليم كردستان العراق، حيث واصل نشاطه السياسي والوطني من داخل الإقليم، محافظًا على حضوره بين أبناء منطقته وقضيته.

وخلال تلك الفترة، تحولت قرية جرن الأسود والقرى الكردية المحيطة بها إلى ساحات مواجهة بين القوات الكردية وتنظيم داعش، الذي عمد إلى زرع أعداد كبيرة من الألغام والعبوات الناسفة داخل القرى والطرقات والأراضي الزراعية، في محاولة لعرقلة تقدم القوات الكردية وتهديد حياة المدنيين حتى بعد انسحابه.

وفي عام 2015، تمكنت القوات الكردية من استعادة السيطرة على جرن الأسود وعدد من القرى والمناطق الأخرى بعد معارك عنيفة مع التنظيم. وما إن سمع أحمد بوزان بتحرير قريته، حتى عاد على وجه السرعة من إقليم كردستان متجهاً إلى جرن الأسود، مدفوعاً برغبته في المساهمة بإعادة الحياة إلى المنطقة وتأمينها لأهلها.
وبروح المسؤولية والانتماء، شارك مع عدد من أبناء المنطقة في محاولة إزالة الألغام التي خلفها التنظيم، إلا أن كثافة الألغام وطريقة زرعها المعقدة، حيث وُضعت فوق بعضها البعض، أدت إلى انفجار أحدها أثناء العمل، ليستشهد أحمد بوزان مع أحد رفاقه في جرن الأسود، القرية التي أحبها ودافع عنها حتى اللحظات الأخيرة من حياته، ويدفن فيها.

ورغم مرور السنوات، بقي أحمد بوزان حاضراً في ذاكرة جرن الأسود والمنطقة بأسرها، ليس فقط بوصفه ناشطاً سياسياً أو أحد أبناء القرية، بل كأحد الوجوه التي ارتبطت بتاريخها السياسي والاجتماعي والوطني. وما زالت سيرته تُستعاد بين الناس باعتباره جزءاً من الذاكرة السياسية للكرد في الرقة، ورمزاً لجيلٍ عاش النضال والتنقل والملاحقة والحرب، دون أن يتخلى عن إيمانه بحق الناس في الحرية والكرامة والعيش الآمن على أرضهم.

ليفانت: سردار شريف

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!