-
الأبله وبحر الندامة العالم كما هو!!
إذا لم تملك قرارك… سيكتبه غيرك بدمك، لكن الوعي دائمًا، هو البداية الحقيقية لأي خلاص. فحين يصير التاريخ نسخة مشوهة من "أبله" دوستويفسكي، يبدو العالم فيه وقد أُلقي به قسراً في أتون مشهد تراجيدي، يصدق فيه قول ابن المقفع: "العجلة أم الإخفاق، والرعونة بريد الهلاك؛ ومن ركب التهور مركباً، غرق في بحر الندامة قبل أن يبلغ الشاطئ".
وحيث تتشابك خيوط الرعونة السياسية بمكر "المقاولين واللصوص" الذين حولوا الجغرافيا العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية والانتخابية، في زمنٍ تختلط فيه القرارات المصيرية بنزوات اللحظة، لم تعد الحروب تُصنع في غرف الاستراتيجيات بقدر ما تُصنع في دهاليز النفس البشرية، من اندفاع محموم نحو "أبواب الجحيم" في الحرب على إيران، ليس نتاج رؤية استراتيجية رصينة، بل هو انعكاس لـ "سيكولوجية القائد المتهور" الذي يجسده دونالد ترامب، ذلك الذي لا يعرف كيف يبدأ الحرب فحسب، بل يعجز عن معرفة كيف ينهيها، لأنه يجد نفسه اليوم أسيراً في قبضة بنيامين نتنياهو، في علاقة مسمومة تتجاوز حدود التحالف السياسي لتصل إلى مرحلة "الابتزاز الوجودي".
في قلب هذا المشهد، يقف دونالد ترامب بوصفه نموذجًا صارخًا لهذه الحالة النفسية المركبة؛ قائدٌ يتغذى على الصدام، ويجد في التهديد وسيلة لإثبات الحضور، رجل "لا يعرف كيف يخرج من الحرب"؛ فهو الذي دخل البيت الأبيض بوعود "إنهاء الحروب الأبدية"، يجد نفسه اليوم غارقاً في رمال الشرق الأوسط المتحركة، ليكون في العمق أسير لحسابات داخلية وضغوط خارجية تتجاوز قدرته على التحكم، بسبب علاقته السامة وضغوط نتنياهو الذي يمارس عليه نوعاً من "الإذلال السياسي"، وعلى رأسها "ملفات إبستين" الشهيرة.. لخدمة أجندة تل أبيب، مقابل دعم انتخابي يرمم شعبيته المتآكلة في الداخل الأمريكي.
إنها "المقايضة القاتلة"؛ فالرجل الذي اعتاد أن يفتح "أبواب الجحيم" بخطاباته، لا يبدو أنه يمتلك خريطة طريق للخروج منها، وكأن الحرب بالنسبة له ليست خيارًا استراتيجيًا، بل حالة نفسية من الإدمان السياسي، وحيث يُباع أمن الطاقة العالمي واستقرار الشعوب في سوق النخاسة الانتخابية، تظل إسرائيل هي "سيدة القرار" التي تكتب النص ويوقعه ترامب بمداد من التبعية المهينة والمنطقة هي منْ تدفع الثمن.
هُنا تبرز الفلسفة العميقة لفيودور دوستويفسكي في روايته الخالدة "الأبلة" كمرآة كاشفة لهذا الخراب فتعكس جوهر الإنسان حين يتجرد من أقنعته. فالمجتمع الدولي اليوم، بقواعده الأخلاقية المهترئة، يشبه تماماً مجتمع "سانت بطرسبرغ" النفعي الذي حطم الأمير "ميشكين". الملُقب بـ "الأبله" ليس لنقص في ذكائه، بل لبراءته المُفرطة وصدقه المطلق وافتقاره للخبث -هكذا نحنُ العرب-، وهو تماماً ما يمثله "مفهوم السلام الحقيقي" أو "العدالة الدولية" في نظر سدنة الحروب المعاصرين. إن ترامب ونتنياهو يريان في "الرصانة والحوار" نوعاً من "البلاهة" السياسية، تماماً كما سخر مجتمع دوستويفسكي من الأمير ميشكين.
أما ونحنُ في عالم "المقاولين"، يُعتبر الصدق ضعفاً، والعقلانية مُهمشة، والتروي يُستهزأ به، والسيادة العربية تجد نفسها في موقع "الأمير ميشكين"، "بضاعة" قابلة للمساومة، ويُطلب منه أن يتكيف مع واقع لا يعكس مصالحه، لكن قيادتنا أذكى وأقوى في زمن الجنون، تري غرف العمليات التي تُدار بمنطق "اللصوص"، ليتصدر المشهد قادة يجتمعون للوحدة العربية بل وهناك اجتماع مصري سعودي تركي في باكستان حالياً.
إن هذا الارتباط المرضي بين واشنطن وتل أبيب قد تحول إلى "سرطان استراتيجي" يتغذى على استقرارنا؛ فترامب، الذي يعاني من تدني شعبيته وتخبط إدارته، بات يرى في الحرب على إيران "طوق نجاة" زائفاً، بينما يرى نتنياهو في هذه الحرب "بوابة خلوده" السياسي بعيداً عن قضبان المحاكم. إنها تراجيديا "الرجل المتهور" الذي يُقاد من أنفه، وكأن ترامب قد تحول إلى شخصية ثانوية في مسرحية يخرجها نتنياهو ببراعة "المقاول" الذي يبني مجده فوق أنقاض الديار العربية.
إن الضرورة التاريخية تحتم على العرب "الإفاقة" الفورية لما يُحاك لهم في مطابخ التآمر الدولي. إن زيارة الرئيس السيسي إلى جدة ولقاءه بالقيادة السعودية في هذا التوقيت الحرج، هي "صرخة إفاقة" في وجه هذا العبث. وهو الذي يملك اليوم تحويل "بلاهة" النظام الدولي إلى "وعي" هجومي يسترد الحقوق.
لا يمكن للعرب أن يظلوا "مشاهدين" في رواية يكتبها "متهور" و"مبتز"، بل عليهم أن يكونوا هم "النهار" الذي يطرد ظلام هذه التبعية، كما غنى الفنان عبدالحليم حافظ "الأرض بتتكلم عربي" و"مفيش مكان للأمريكان بين الديار" ما دامت سياساتهم تُدار بعقلية "اللصوص والمقاولين".
إن السلام لا يمكن أن يولد من رحم "علاقة مسمومة" أو من قواعد عسكرية تبتز الشعوب. إن إنهاء حالة الغليان العالمي يتطلب حكمة وشجاعة ترفض "المنطق الترامبي" المتهور، وتكسر القيد الإسرائيلي الذي يكبل الإرادة الدولية. إن دروس التاريخ، وقبلها صفحات "الأبلة" لدوستويفسكي، تؤكد لنا أن المصير الذي ينتظر المجتمعات التي تسحق "النقاء والحكمة" هو الانفجار الشامل، وما لم يستعد العرب زمام المبادرة، فإن "أبواب الجحيم" التي يهدد بها ترامب قد تبتلع الجميع في لحظة رعونة طائشة، وصدقت الحكمة التي تقول: "إذا ركب التهور خيوله، فلا تنتظر من العدل ميزاناً؛ ومن أسلم مقاديده لغيره، مات حسرة في سجن ندامته"، وما بين تهور القادة وصمت الشعوب، تُكتب المآسي الكبرى.
ليفانت: أ. د. إبراهيم جلال فضلون
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

