-
الخيار الثالث يفرض نفسه: لا حرب ولا استرضاء بل إسقاط النظام من الداخل
-
سياق إقليمي متفجر ومصدر الأزمة
تشير المعطيات الراهنة إلى أن إيران تقف في قلب أزمة إقليمية غير مسبوقة، حيث تتقاطع خطوط الصراع من الخليج إلى شرق المتوسط. ويكاد يجمع تقييم دوائر التحليل الاستراتيجي على أن نظام ولاية الفقيه لم يعد مجرد فاعل إقليمي تقليدي، بل تحوّل إلى مُصدِّر ممنهج لعدم الاستقرار عبر أدوات عسكرية وأمنية عابرة للحدود. إنّ سياسة تصدير الأزمات التي ينتهجها النظام لم تعد تكتيكًا ظرفيًا، بل تمثل ركيزة بنيوية لبقائه، وهو ما يفسّر استمرار الانخراط في نزاعات متعددة رغم التكلفة الاقتصادية والاجتماعية الباهظة داخليًا.
فشل المهادنة: رهان غربي خاسر
على مدى أكثر من أربعة عقود، راهن الغرب على سياسة المهادنة كوسيلة لاحتواء سلوك طهران. غير أن هذه المقاربة، وفق ما تؤكده تجارب متراكمة، لم تؤدِّ سوى إلى تعزيز شهية النظام التوسعية. فقد استغل النظام كل نافذة تفاوضية لتعزيز قدراته النووية والعسكرية، في ظل غياب آليات ردع حقيقية. التحذيرات المبكرة التي أطلقتها السيدة مريم رجوي بشأن مخاطر التمدد الإقليمي، خصوصًا في العراق، تبدو اليوم أقرب إلى تشخيص استراتيجي دقيق لما آلت إليه المنطقة.
وهم التغيير الذاتي وسقوط فرضيات الانتظار
أثبتت التطورات الداخلية في إيران أن الرهان على انهيار تلقائي للنظام أو تغييره عبر أدوات إعلامية وشبكات اجتماعية هو وهم تحليلي. فالنظام، الذي راكم خبرة طويلة في القمع والسيطرة، يمتلك بنية أمنية متماسكة قادرة على امتصاص الصدمات. وعليه، فإنّ أي سيناريو للتغيير لا يمكن أن يتحقق دون قوة منظمة تمتلك امتدادًا شعبيًا وقدرة ميدانية على المواجهة.
المقاومة الإيرانية كفاعل مركزي في معادلة التغيير
في هذا السياق، تبرز منظمة مجاهدي خلق بوصفها الفاعل الأكثر تنظيمًا واستمرارية في مواجهة النظام. فبحسب المعطيات المطروحة في مؤتمر 26 مارس 2026، الذي شارك فيه كلٌ من السيد محمد محدثين وسنابرق زاهدي، تمتلك المنظمة شبكة عملياتية واسعة داخل إيران، تجلّت في آلاف الأنشطة والعمليات خلال العام الماضي.
هذه الديناميكية لا تعكس فقط قدرة تنظيمية عالية، بل تشير إلى تحول نوعي في ميزان الفعل الداخلي، حيث لم تعد المعارضة مجرد حالة احتجاجية، بل باتت بنية مقاومة ممتدة قادرة على إرباك النظام حتى في مراكزه الحساسة، كما ظهر في الهجوم على أحد مراكز القرار في طهران خلال فبراير 2026.
مجتمع على حافة الانفجار
المعطى الأكثر حسماً يتمثل في أن المجتمع الإيراني يعيش حالة احتقان بنيوي. فالتداخل بين القمع الداخلي والتدهور الاقتصادي والانخراط في صراعات خارجية خلق بيئة قابلة للانفجار. وتشير المؤشرات إلى أن أي انفراج نسبي في الضغط الأمني أو انتهاء موجات التصعيد العسكري قد يفتح الباب أمام انتفاضة أوسع وأكثر تنظيمًا من سابقاتها.
في المقابل، يعكس تصاعد الإعدامات وإصدار أوامر إطلاق النار المباشر على المحتجين مستوى القلق داخل دوائر الحكم، ما يؤكد أن النظام بات يتعامل مع الداخل باعتباره التهديد الوجودي الأول.
التحول نحو الوراثة السياسية: مؤشر على الضعف لا القوة
يمثل الدفع بـ مجتبى خامنئي إلى واجهة السلطة تحولًا خطيرًا نحو نموذج حكم وراثي مغلق. ورغم أن هذا الخيار قد يبدو محاولة لضمان استمرارية النظام، إلا أنه في الواقع يعكس تآكل القاعدة السياسية للنظام واعتماده المتزايد على الأجهزة الأمنية. هذا النمط من الانغلاق غالبًا ما يكون مؤشرًا على هشاشة بنيوية، وليس على استقرار طويل الأمد.
الخيار الثالث: بين الحرب والاسترضاء
في ضوء فشل خيارَي الحرب الخارجية والمهادنة السياسية، يطرح ما يُعرف بـ "الخيار الثالث"، الذي يقوم على دعم الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. هذا الطرح، الذي دافعت عنه مريم رجوي منذ سنوات، يكتسب اليوم زخمًا متزايدًا في ظل تعقّد المشهد الإقليمي واستحالة احتواء النظام بالوسائل التقليدية.
آفاق ما بعد النظام: مشروع بديل قيد التشكل
إعلان المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عن مشروع حكومة مؤقتة يمثل محاولة لتقديم بديل سياسي واضح، يتضمن نقل السلطة خلال فترة انتقالية قصيرة، وإرساء نظام يقوم على فصل الدين عن الدولة ورفض السلاح النووي. هذا الطرح يسعى إلى طمأنة الداخل والخارج بأن مرحلة ما بعد النظام لن تكون فراغًا سياسيًا.
خلاصة استراتيجية
تؤكد المعطيات أن استمرار نظام الملالي بات مصدرًا دائمًا لعدم الاستقرار، داخليًا وإقليميًا. ومع تآكل شرعيته وتصاعد الضغوط عليه، يبرز سيناريو إسقاطه كخيار أقل كلفة استراتيجيًا مقارنة باستمرار الوضع القائم. وفي هذا الإطار، تبدو المعادلة الجديدة قائمة على تفاعل عنصرين حاسمين: مجتمع غاضب ومعارضة منظمة.
إنّ تجاهل هذا الواقع لم يعد ممكنًا، كما أن الرهان على حلول جزئية أو مرحلية لم يعد كافيًا. فالمسألة لم تعد تتعلق بإصلاح سلوك النظام، بل بـ إعادة تشكيل المشهد الإيراني برمّته.
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

