الوضع المظلم
السبت ٣٠ / أغسطس / ٢٠٢٥
Logo
الشرع والدم السوري
شادي عادل الخش 

منذ اللحظة الأولى التي جلس فيها على كرسي السلطة، لم يكن في قاموس أحمد الشرع أي حديث عن عدالة انتقالية أو محاسبة للمجرمين. 
على العكس تماماً، أعاد تدوير رموز الإجرام الأسدي، وألبسهم ثوباً جديداً، وأقام حولهم منظومة كاملة وظيفتها تطبيع العلاقات مع كل من دعم الأسد وموله. 

لذلك لم يكن غريباً أن يأتي اليوم ليقول إن "الجراح التي سبّبها حزب الله قد طُويت"، فالتصريح ليس سوى استكمال لطريق واحد هدفه إغلاق ملف الدماء، ودفن المطالب بالمحاسبة، والإعلان الصريح أن المصالح السياسية أهم من حقوق الضحايا.

بهذا الكلام، وضع الشرع نفسه في موقع الوصي على دم السوريين. وكأنه يملك الحق أن يصفح عن القاتل بدلاً من الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، أو العائلات التي غاب أحباؤها في السجون، أو المهجرين الذين ضاعت حياتهم. لم يكتفِ بمحو الجريمة، بل نصّب نفسه نائباً عن الضحايا ليعفو باسمهم، من دون أي حق أو تفويض.

شخصياً، لا أجد في هذا الموقف أي مفاجأة. فمن يعرف تاريخ الرجل يدرك أن ما يقوله اليوم منسجم تماماً مع مساره.
 فمن أسّس جبهة النصرة، ومن فجّر من العراق إلى سوريا، ومن حارب فصائل الثورة وشتّت صفوفها، ومن نشر الخوف من إدلب إلى الرقة، ومن درعا وريف دمشق إلى الساحل والسويداء، من الطبيعي أن لا يرى في الدم السوري قيمة أو معنى للعدالة. فبالنسبة له ما فعله حزب الله أو روسيا أو إيران أو الأسد، لا يختلف عمّا فعله هو الجميع مجرد أدوات في لعبة سلطة واحدة.

لأن التحول من "أمير جماعة مصنفة إرهابيا" إلى "رئيس دولة" بعد نقل الإرهابي الذي سبقة معززاً مكرماً بطائرة خاصة الى موسكو. هو بحد ذاته نتيجة لتوازنات دولية وإقليمية، متصالحة تماما مع النهج الذي اتبعه.

لذلك لا يُعتبر ما فعله أو قاله حدثاً طارئاً، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من تبرير الجريمة والتطبيع مع القتلة. 

ليكن معلوماً بأن ما يجري ليس "مصالحة" بل إعادة إنتاج لزمن الأسد، زمن تُمحى فيه أصوات الضحايا كما مُحيت في حماة وجسر الشغور وتدمر، زمن يُستبدل فيه الحق بالرضوخ، وتُستبدل فيه العدالة والشرعية ببيعةٍ بالدم.

ومع كل هذا فالتاريخ علمنا أن الدم لا يصدأ، والجراح التي لا تعالج تتقيح وأن من يراهن على النسيان سيجد نفسه يوماً أمام محكمة لا تعرف التسويات، وأن العدالة التي دافعها الحق لا تنتهي بالتقادم وصفقات البيع.

شادي عادل الخش

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!