الوضع المظلم
الأربعاء ٢٠ / مايو / ٢٠٢٦
Logo
  • اللغة الكوردية في سوريا بين معترك التحديات وإعادة هندسة واقعها

اللغة الكوردية في سوريا بين معترك التحديات وإعادة هندسة واقعها
زينه عبدي

بتنا في عصر تتهافت فيه التغيرات والتحولات الرقمية وكذلك الثقافية بصورة متسارعة ومن ضمنها اللغات وعلى وجه الخصوص اللغة الكوردية في سوريا، حيث لم يعد يختزل وجودها على نسبة المتحدثين والناطقين بها فحسب، بل باستطاعتها وإمكاناتها في التواجد والحضور في الفضاء العام لاسيما فيما يتعلق بالإعلام الرقمي والتكنولوجيا الحديثة والبحث العلمي، ومواكبتها للحفاظ على دورها في حفظ الذاكرة والانتماء القومي رغم ممارسة خطاب الكراهية الموحد ضدها.

 

في هذا الإطار، يطل علينا يوم اللغة الكوردية بتاريخ 15 أيار ولكن بسياق مختلف عما قبل لِما يحمله من معنى أعمق من كونها مناسبة ثقافية كوردية، بل صار يحمل بين طياته ملفات أشد عمقاً متعلقة بموقعها الحالي والعقبات التي تعاني منها، مع احتمالات كيفية تغيير مسارها من خطاب دفاعي عن هويتها الكوردية إلى لغة إقناع وتأثير حقيقي عبر المشاركة في رسم وإعداد الغد رغم عقود الإقصاء والتهميش، ومسؤوليتها وإسهامها الفعلي في الساحات والمراكز العامة، والعمل على تطويرها عبر عصرنة أدواتها بقدرات تعمل على جعلها لغة الإنتاج المعرفي بما يتناسب مع المرحلة الحالية والتأثير لصناعة مستقبل لغوي كوردي ذات آفاق زاخرة وخصبة.

 

بين حضورٍ متصاعد وعقباتٍ ممتدة

 

لأكثر من عقد من الزمن، لوحظ  تطور واضح للغة الكوردية في المناطق الكوردية في سوريا عبر حضورها التعليمي والثقافي ولاسيما الإعلامي بعد إدارة المنطقة من قبل الكورد، خلافاً لما تعرضت له منذ ستينيات القرن الماضي وحتى بزوغ فجر الأزمة السورية.

 

حضرت اللغة الكوردية بقوة لم يسبق لها مثيل داخل المراكز التعليمية من مدارس وجامعات ومعاهد تابعة للإدارة الذاتية أو حتى بشكل مستقل من قبل بعض الأشخاص أو جهات تابعة لأطراف سياسية معينة، ناهيك بحضورها اللافت داخل المؤسسات الثقافية عبر إلقاء المحاضرات وتنظيم جلسات حوارية باللغة الكوردية بصورة مباشرة أو عبر النت، كما يجدر بالذكر تواجدها بهيئة غنية وثرية ضمن الصحافة والإعلام (المرئي والمسموع والمطبوع)، بالإضافة إلى نشر الكتب والمجلات والجرائد باللغة الأم ورقياً ورقمياً، ما ساعد في تعزيز اللغة الكوردية خصوصاً لدى الجيل الجديد والدفع بهم نحو تعلم لغتهم الأم حفاظاً على حقوقهم الثقافية واللغوية في محاولة لتثبيت الاعتراف بها دستوريا وقانونياً في سوريا الجديدة.

 

اليوم، تواجه هذا اللغة تحديات جمة، رغم حضورها آنف الذكر والتطور النسبي، ترتبط بالاعتراف الدستوري بها من قبل السلطات الانتقالية في سوريا. وتجلى هذا التحدي بصورة مفهومة دون رتوش للشعب الكوردي خلال الأسبوعين الفائتين حول ما أثير من جدل فيما يتعلق بإزالة اللغة الكوردية من لافتات القصر العدلي بمدينة الحسكة، ما ساهم في تعزيز الشكوك والمخاوف لدى الكورد في روجآفا كوردستان من التراجع التدريجي لحضورها في البيئة العامة وإلغائها وإقصائها.

 

وفي الإطار ذاته، باتت هذه المعضلة أشد تعقيداً وتناقضاً في خضم الخطابات الرسمية والتصريحات السياسية من السلطة الانتقالية حول الكورد ولغتهم وهويتهم ووصفهم بأنهم جزء أساسي وأصيل من الجغرافية السورية ولا يمكن الاستغناء عنهم، إلى جانب إصدارها للمرسوم رقم 13 الذي عُدّ خطوة سياسية وقانونية نوعاُ ما فيما طرحته من اعتراف غير دستوري بالشعب الكوردي لغةً وهويةً داخل الأطر الوطنية، إلا أنه يبقى هشاً ولا يلبي طموحات الشعب الكوردي إطلاقاً لأنه برأيي مجرد اعتراف نظري لإسكات الشعب الكوردي عن المطالبة بحقوقه اللغوية والثقافية والسياسية والوجودية، وإلا لماذا إلى هذه اللحظة لا يترجم هذا المرسوم إلى نص دستوري صريح وواضح يضمن مجمل حقوقه كبقية الشعوب؟.

 

هذا التحدي الأشد تعقيداً والمبهم، يضع الشعب الكوردي في مواجهة خطيرة مع السلطات الانتقالية السورية التي لا تزال تبرهن مركزيتها في فرض ذهنيتها العقائدية، وهنا يبرز السؤال الأكثر حدة بل والأبلغ: متى ستخطو السلطة الانتقالية في سوريا خطوات حقيقية وفعلية لدسترة حقوق الشعب الكوردي بشكل واضح ليس إلا؟.

 

خطاب الكراهية واللغة الكوردية

 

في الآونة الأخيرة، صدر من بعض الأطراف السورية خطابات كراهية تجاه الشعب الكوردي سياسياً وإعلامياً ورقمياً، وأصبحت من التحديات الأشد وضوحاً وتأثيراً ليس فقط على الجوانب السياسية والاجتماعية فحسب، وإنما امتد ليشمل اللغة الكوردية داخل الجغرافيا السورية كاملةً. ما بدر، ولايزال، من تلك الجهات من خطابات تكرس الانقسام وتستهدف التعددية وقائمة على التنميط، عززت القيام بحملات المناصرة والحماية الحقيقية للغة الأم من قبل الكورد خلال الحوار العام في فضاء من المفترض أنه يتسع للجميع إلا أنه يبقى دون مراعاة، وهنا تتضح الحاجة الأكثر إلحاحاً في سرد وإطلاق خطاب كوردي مسؤول لمجابهة هذا الخطاب الإقصائي في محاولة للتوعية بالخطر المحدق باللغة الكوردية، حيث تعتبر إشكالية ومعقدة بذات الوقت على اعتبارها مسألة أو قضية سياسية ولربما خلافية برأيهم، ما ينعكس سلباً على رؤية الشارع الكوردي والإيحاء غير المباشر لفرض الهيمنة العروبية كما السابق والعمل داخل بوتقة انصهار كل ما هو ليس عربياً.

 

من عمل، ولايزال، على صياغة خطاب كراهية تجاه اللغة الكوردية، كان يحاول بشتى الوسائل الحد من حضورها وشرعيتها لا سيما خلال السنوات الأخيرة وربطها بسرديات الانفصال والتخوين خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي عبر حملات التشويه والتحريض والإقصاء، الأمر الذي بلور مشهداً من الاستقطابات الحادة على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية في ظل المرحلة الانتقالية المتصدعة والرخوة.

 

تأثير هذا الخطاب يمتد ليقلل من القيمة المضافة لشعور الكوردي بالانتماء لسوريا وتفعيل مواطنته كون التمييز الجاري على اللغة يعتبر استهدافا مباشراً للهوية الكوردية بلا منازع. لذا أرى هنا أنه من الطبيعي حماية لغتنا الكوردية والعمل المشترك مع الشعب السوري غير الكوردي لخلق بيئة متوازنة تقبل التعددية بل وتعترف باللغات المختلفة قانوناً ودستوراً.

 

إعادة هندسة الواقع اللغوي الكوردي

 

في خضم المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا حالياً، لا بد للكورد من التعامل مع واقع لغتهم عبر خطوات تطبيقية ضمن الأطر القانونية الناظمة والدستورية لتثبيت حقوقهم والاعتراف بها كما يجب. حيث استخدام لغتهم بشكل رسمي في الإعلام والدوائر الرسمية والتعليم في المناطق ذات الغالبية الكوردية (روجآفا) في سعي الانتقال من الإطار النظري إلى العملي، وهذا ما يجب أن تعمل عليه المؤسسات اللغوية الكوردية واللغويين الكورد، وكذلك الفعاليات المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني الكوردية بالتشبيك مع وسائل الإعلام الكوردية عبر طاولات الحوار ومناقشة هذا الواقع والخروج بتوصيات عملية تطالب بالاعتراف بلغتهم الأم، مع التركيز بشكل مستمر على القيام بحملات الدعم والحشد والمناصرة للمطالبة بالحقوق الثقافية واللغوية.

 

كما يمكن تعزيز ذلك عبر البرامج الحوارية باللغة الكوردية والعربية وطرح مقالات من شأنها ترسيخ مدى الاعتراف بهذه اللغة داخل سوريا. الصحافة الكوردية اليوم لاسيما بعد بروز منصات إعلامية كبيرة كوردية أو ناطقة بالكوردية وازدياد محتواها الرقمي  لها دور مهم ليس فقط في تسليط الضوء على اللغة الكوردية أو الحديث بها، بل يتمحور دورها الجوهري في فرض استخدامها بشكل رسمي كما اللغات الأخرى وربطها بالهوية والحقوق والاعتراف بها عوضاً عن حصرها في الحيثية الثقافية البسيطة جداً، بل وتوحيد الجهود لتنمية وتطوير المصطلحات الكوردية وجعلها أكثر مهنية وواضحة وفقا للقواعد اللغوية، والاستثمار في تدريب الصحفيات والصحفيين حول اعتماد لغة كوردية موحدة وفقاً لمعايير وضوابط حديثة والارتقاء بها نحو الحد أو التخفيف من الاختلافات في اللهجات، ومحاولة توحيدها وإنشاء مجمع لغة كوردية يجمع الشتات من الكورد ويحد من حالة الضياع والتشتت، ما يسهم في مسألة المطالبة بالاعتراف الرسمي بلغتنا وتعزيز قابلية توظيفها في كافة المجالات.

 

إلى جانب ما ذكر، لابد من التعمق في مسألة بناء شبكات وبرامج تعليمية متطورة لتعليم اللغة الكوردية لاسيما في عصر الذكاء الاصطناعي الذي بات يسهل عملية دمج هذه اللغة مع تقنياته الحديثة لبناء قواعد بيانات باللغة الكوردية بهدف التعليم ومحتوى معمق فكري وعلمي ومعرفي رفقة الترجمة الفورية أو الآلية بالتعاون والتشبيك مع المبادرات والبرامج الشبابية، الأمر الذي يدعم عملية الانتقال من رمزية الاعتراف باللغة والهوية إلى وسيلة فعالة في إعادة بلورة المعرفة وصناعتها بما يتوافق مع مجرى التحولات والتغيرات المتسارعة.

 

وأخيراً، واقع اللغة الكوردية في ظل عدم الاعتراف بها والتحديات البنيوية التي تواجهها واضح ،ولم تعد اللغة الكوردية تحتمل الحضور الشكلي فقط، بل بات منحاها موسعاً ومفتوحاً ليؤكد حضورها الحقيقي القيم والمؤثر في الفضاء العام والانتقال من حالة الجدل وعدم الاعتراف إلى حالة ترسيخ التعدد اللغوي في سوريا الذي يعزز مشهد الاستقرار والتوازن بمنأى عن إعادة إنتاج الإقصاء والإلغاء بأشكال حديثة، وهنا يبرز الطرح المباشر متسائلاً: هل ستساهم السلطة الانتقالية في الاعتراف الدستوري باللغة الكوردية كما العربية وجعلها لغة رسمية في سوريا؟.

ليفانت: زينه عبدي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!