الوضع المظلم
الخميس ١٩ / مارس / ٢٠٢٦
Logo
  • توريث السلطة في طهران: تنصيب مجتبى خامنئي يكشف أزمة شرعية نظام ولاية الفقيه

  • تحول ولاية الفقيه إلى سلطنة وراثية
توريث السلطة في طهران: تنصيب مجتبى خامنئي يكشف أزمة شرعية نظام ولاية الفقيه
سامي خاطر

يشير تنصيب مجتبى خامنئي في موقع الخلافة السياسية داخل منظومة الحكم الإيرانية إلى تحول عميق في طبيعة نظام ولاية الفقيه، من نظام ديني يدّعي الشرعية الثورية إلى ما يشبه سلطنة وراثية مغلقة.  فهذه الخطوة لا تعكس انتقالاً مؤسسياً طبيعياً للسلطة، بل تمثل في جوهرها محاولة من النخبة الحاكمة لإعادة إنتاج السلطة داخل دائرة ضيقة مرتبطة بعائلة الولي الفقيه علي خامنئي.

من منظور تحليلي، يعكس هذا التطور أزمة بنيوية في النظام السياسي الإيراني، حيث أصبح توريث النفوذ داخل المؤسسة الدينية–الأمنية بديلاً عن أي شكل من أشكال الشرعية الشعبية. وفي سياق تاريخي أوسع، يذكّر هذا التحول بنهاية الأنظمة السلطوية التي لجأت إلى توريث السلطة كوسيلة أخيرة للحفاظ على تماسك النظام في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة.

 

أزمة شرعية تتكرر منذ سقوط الشاه

إن المقارنة التي يطرحها معارضو النظام بين الوضع الحالي ونهاية حكم الشاه عام 1979 ليست مجرد تشبيه سياسي، بل تعكس قراءة أعمق لأزمة الشرعية في إيران. فكما فقدت ديكتاتورية الشاه آنذاك ثقة قطاعات واسعة من المجتمع، يواجه النظام الحالي أزمة مشابهة نتيجة القمع المستمر، والانهيار الاقتصادي، وتآكل الثقة الشعبية.

وبينما كان النظام الإيراني يبرر وجوده تاريخياً باعتباره بديلاً ثورياً للنظام الشاه فإن توريث السلطة داخل عائلة المرشد يقوّض هذا الادعاء جذرياً. فالنظام الذي قام على شعار "إسقاط الشاه" يجد نفسه اليوم يعيد إنتاج منطق الحكم العائلي ذاته، وإن كان تحت غطاء ديني.

هذه المفارقة السياسية تعزز الانطباع المتزايد لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين بأن ولاية الفقيه لم تعد سوى نظام سلطوي مغلق يسعى إلى البقاء بأي ثمن.

 

دور مجتبى خامنئي داخل بنية السلطة

خلال العقود الثلاثة الماضية، برز مجتبى خامنئي باعتباره أحد أكثر الشخصيات نفوذاً داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالولي الفقيه. فبحسب العديد من التقارير السياسية، لعب دوراً محورياً في إدارة شبكات النفوذ داخل الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والاقتصادية.

وقد ارتبط اسمه بملفات حساسة تتعلق بقمع الاحتجاجات الشعبية وإدارة الصراعات داخل النخبة الحاكمة، إضافة إلى نفوذه المتزايد في المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بمكتب الولي الفقيه.

ومن هذا المنظور، فإن تنصيبه في موقع الخلافة لا يمثل صعود شخصية جديدة، بل تثبيتاً رسمياً لدور كان يمارسه فعلياً منذ سنوات. غير أن تحويل هذا النفوذ غير الرسمي إلى موقع قيادي واضح يسلط الضوء على الطبيعة العائلية المتزايدة للنظام السياسي الإيراني.

 

انتفاضات متكررة وتحديات داخلية متصاعدة

يأتي هذا التطور في لحظة تشهد فيها إيران توترات اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة.  فقد شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الاحتجاجات الواسعة التي شاركت فيها شرائح متعددة من المجتمع، بما في ذلك العمال، والمعلمون، والممرضون، والمتقاعدون، والمزارعون.

وتعكس هذه الاحتجاجات حالة من السخط المتراكم نتيجة ارتفاع معدلات الفقر والتضخم والبطالة، إضافة إلى القيود السياسية الصارمة.

في هذا السياق، نجد أن خطوة توريث السلطة قد تزيد من حدة التوترات الداخلية، لأنها تعزز الانطباع بأن النظام لا يسعى إلى الإصلاح أو الانفتاح السياسي، بل إلى إغلاق المجال السياسي بالكامل أمام أي بديل ديمقراطي.

 

المقاومة الإيرانية ورؤية المرحلة الانتقالية

في مواجهة هذا المشهد، تطرح المقاومة الإيرانية بقيادة مريم رجوي رؤية مختلفة لمستقبل البلاد، تقوم على انتقال السلطة إلى الشعب عبر مرحلة انتقالية محددة زمنياً.

ووفقاً لهذه الرؤية، فإن الحكومة المؤقتة لمدة ستة أشهر لا تهدف إلى الاستحواذ على السلطة، بل إلى إدارة مرحلة انتقالية يتم خلالها تنظيم انتخابات حرة وعامة تمكّن الإيرانيين من اختيار نظامهم السياسي.

وتستند هذه الرؤية إلى خطة النقاط العشر التي تركز على مبادئ مثل فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين النساء والرجال، وإلغاء عقوبة الإعدام، واحترام حقوق الإنسان.

ومن منظور سياسي أوسع، تمثل هذه الخطة محاولة لتقديم بديل مؤسسي للنظام القائم في وقت تتزايد فيه المؤشرات على هشاشة البنية السياسية للنظام.

 

إيران بين الاستمرار السلطوي والتحول الديمقراطي

تكشف قضية تنصيب مجتبى خامنئي عن مفارقة أساسية في المشهد الإيراني المعاصر: ففي الوقت الذي يحاول فيه النظام تعزيز قبضته عبر إعادة إنتاج السلطة داخل العائلة الحاكمة، تتزايد الضغوط الاجتماعية والسياسية التي تدفع نحو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وبين هذين المسارين المتعارضين، يبدو أن إيران تقف أمام مفترق تاريخي.  فإما أن يستمر النظام في تعميق طابعه السلطوي عبر توريث السلطة وإغلاق المجال السياسي، أو أن تفتح التحولات الداخلية الطريق أمام مرحلة انتقالية تقود إلى نظام جمهوري ديمقراطي يقوم على الإرادة الشعبية.

وفي كلتا الحالتين، يشير التطور الأخير إلى أن أزمة الشرعية في نظام ولاية الفقيه لم تعد مجرد أزمة سياسية عابرة، بل تحولت إلى أزمة بنيوية تهدد مستقبل النظام نفسه.

د. سامي خاطرأكاديمي و أستاذ جامعي

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!