-
منتدى أنطاليا والدبلوماسية الكوردية من التمثيل إلى التأثير المفصلي
في لحظات إقليمية تتكاثر فيها التحولات والتغيرات السياسية مرفقة بالرهانات الاقتصادية والأمنية، تأتي زيارة رئيس جنوب كوردستان(إقليم كوردستان) نيجيرفان برزاني في منتدى إيطاليا الدبلوماسي بدورته الخامسة كأحد أهم الزيارات حضوراً ودبلوماسية بمنأى عن أي بروتوكول تقليدي، فهي تؤكد وتعكس مساراً كوردياً متصاعداً ولافتاً إقليمياً ودولياً عبر نهج أشد تنامياً وانفتاحاً نحو فكرة إعادة التموضع الكوردي الاستراتيجي داخل معادلات التوازن لا سيما على المستوى الإقليمي، وصياغة دور أكثر فاعليةً من خلال الحوار البناء لِما يمتلكه إقليم كوردستان من رؤية عميقة وعقل سياسي أكثر تأثيراً، في محاولة منه تجاوز التفاعل مع التطورات المتسارعة في ظل الأوضاع والظروف الإقليمية والدولية غير المستقرة والمعقدة إلى صناعة المبادرات وصياغتها بما يتناسب، ورسم دينامية إقليمية ودولية. ملامح هذه الزيارة لا يمكنني قراءتها إلا كمدخل حقيقي نحو تعزيز الحضور الدولي، وبناء شبكة علاقات وشراكات حقيقية على الأرض، وتوظيف الاعتراف السياسي بل وترجمته إلى مخرجات وعوائد واقعية وذات أثر واضح تنعكس بصورة إيجابية على الكورد وموقعهم الاستراتيجي ضمن الأروقة الإقليمية والدولية.
بيئة معقدة إقليميا ودولياً
في ظل منعطف إقليمي متغير تتقاطع فيه التحولات، يبرز منتدى أنطاليا حيث تقاطع عديد الملفات التي تتمحور حول الحدود والطاقة والأمن بين أطراف مختلفة ليجتمع فيه صناع القرار من مختلف أنحاء العالم، ما يقدم لجنوب كوردستان فرصة عملية استثنائية لترسيخ دورها الفاعل السياسي المستقل. يحاول جنوب كوردستان ترسيخ ذاته كحالة مستقرة سياسياً ونقطة توازن وسط ظروف مضطربة ومقلقة اعتماداً على موقعه الجغرافي من جهة، وارتباطاته المتداخلة مع كل من العراق والدول المجاورة الإقليمية والدولية من جهة أخرى.
يعد منتدى أنطاليا بوصفه فضاءً للقاء الحلفاء والخصماء داخل دائرة واحدة والحوار على طاولة مشتركة بحيث يعمل على تأمين مساحة للكورد للتعبير عن أنفسهم وعن رسالتهم الاستراتيجية ورؤيتهم السياسية بعيدة المدى بمنأى عن التواصلات بصورة تقليدية كما السابق، مؤكدين بذلك على قدرتهم الفاعلة في مسار المواضيع الخلافية والأحداث الكبرى والقضايا الإشكالية على المستويين الإقليمي والدولي.
أعاد حضور الكورد في هذا المنتدى التعريف بهم وبدورهم الفعلي في تقديم مبادرات سياسية شاملة وطرح مزيد من الرؤى المفيدة في القطاع الاقتصادي لا سيما الطاقة، والمساهمة في الحوارات الإقليمية التي تتركز على قطاع الأمن، الدور الذي يعكس طرحاً مبادِراً يحتضن محتوى الاستراتيجية العصرية والخطط المستقبلية الحديثة لدى الكورد عوضاً عن الاستراتيجية الدفاعية والاحتراز السياسي.
من البراغماتية إلى بناء الاستراتيجيات
لا يمكن للكورد في سياستهم الراهنة السير نحو الواقع كما يراد له أن يكون، بل كما هو والتعامل معه بدقة وتوازن لا متناهيين، حيث الابتعاد عن الصراع المثير والفوري أثناء التعامل مع كافة الأطراف، ما يكسب جنوب كوردستان حيزا واسعاً من التحرك والتواصل وفرض هيبته بطرق دبلوماسية لاعنفية كانت، ولا تزال، تتبدَّى ب تكوين علاقات سليمة وصحية مع العاصمة العراقية بغداد عبر الحوار والمباحثات والاتصالات السياسية، إدارة متوازنة في علاقته مع أنقرة رغم التشابكات والتحديات الإقليمية والانخراط في المجتمع الدولي بمنأى عن أي استقطاب أو تشدد.
كلنا يعلم، أن السياسة والاقتصاد لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض، حيث باتت مبادئ المصالح والحضور والثقل السياسي متصلة بشكل مباشر وعلى مرأى ومسمع العالم بصورة وثيقة بإمكانية تقديم شراكات واتفاقيات تعاون كما هو الحال بالنسبة لإقليم كوردستان الذي يلعب دوراً بالغ الأهمية خصوصا في ملفات الطاقة حيث من خلالها يمكنه تقوية المجال الاستثماري لا سيما الأجنبي وترسيخ التعاون في قطاع الغاز والنفط وبرامج البنى التحتية، ما ينعكس إيجاباً على الاستقرار السياسي واستدامة رؤاه التنفيذية.
الأثر السياسي والتحديات البنيوية
بات جلياً حضور جنوب كوردستان الدولي وبشكل حقيقي، حيث أثر جميع المساعي الدبلوماسية له لم يعد حكراً أو محصورا به فحسب، بل امتد ليشمل الكورد في أجزاء كوردستان الأخرى لا سيما في روجآفايي كوردستان(كوردستان سوريا)، حيث يتضح لنا انعكاس هذا التواجد القوي في مسألة الاعتراف بالحقوق الكوردية ودسترتها بل وتعزيز شرعيتها، وزيادة المشاركة السياسية لهم وتوسيع رقعة هذا التمثيل في الساحة السياسية وطرح تصور مناسب لنظام الحكم، وهذا ما يمكننا تسميته بالقوة الناعمة واللينة معتمدة على الاعتراف الحقيقي والمتبادل والشراكات ذات الثقل السياسي الواضح والتواجد الفاعل.
في ظل البيئة المعقدة، ورغم القرائن المبشرة هناك المزيد من العقبات يصعب تخطيها متمثلةً بالتباين الفكري السياسي والاختلافات في الرأي في الوسط الكوردي، تحقيق التناغم والانسجام مع الأطراف الدولية التي تتعامل بترقب استراتيجي شديد لأي نمو أو بروز كوردي لافت، ويضاف إليها وبشدة الضغوط المالية والاقتصادية التي تحتاج عملياً لعلاج حقيقي مصحوبة بحلول جذرية تتطلب حوكمة دقيقة لإدارة كم التحديات الراهنة.
الدبلوماسية بين الخطاب والتطبيق
سؤال بات يطرح نفسه بعد حضور نيجيرفان برزاني منتدى أنطاليا الدبلوماسي، هل أهمية هذا الحضور يشكل اختباراً حقيقياً لتحويل ما ذكر في خطابه مع الأطراف المشاركة إلى مخرجات وتداعيات قابلة للتنفيذ؟ هذا الانخراط الدولي القيم سيقاس بمدى تجسيده الحقيقي على المشهد الاجتماعي والسياسي والأمني والاقتصادي وليس بمجرد الزيارة وإبداء موقف داخل هذا الإطار الجامع.
في السياق ذاته، باتت التفاهمات والتشاورات السياسية في أعلى هرم الانفتاح الدبلوماسي حيث نقلها إلى حالة الاتفاق التي تسهم في ترسيخ مكانة الإقليم داخل بلد مستقر، وفتح الأبواب أمام توظيف الأموال والادخار المنتج وتقوية البنى التحتية عبر إعادة توجيه كل اللقاءات التي تمت نحو تحالفات اقتصادية داعمة وبشكل حقيقي، كما أن تعزيز موقف الكورد التفاوضي يمر من خلال نيل دعم سياسي في مثل هذه الفعاليات الدولية ذات الحضور الهائل.
وبناءً عليه، فإن أي حضور أو تواجد في المحافل الدولية مستقبلاً يتطلب رؤية شاملة تصل الداخل بالخارج والعكس صحيح، وعند هذه النقطة تتحول الحالة الدبلوماسية من فعالية نخبوية لتقنية ذات تأثير حقيقي تلامس الحاضنة الاجتماعية بمختلف توجهاتها، ما يعني أن أي تحرك في الخارج لن يكون له صدى حقيقي وسيكون منقوص الأثر مالم يمس الداخل.
وأخيرا، يفضح هذا الحضور عن نهج سياسي حقيقي ومدروس والسير نحو تثبيت هذا التواجد الكوردي في المساحات الإقليمية والدولية، وتشكيل حيزاً أعمق فاعلية ضمن أطر التوازنات الدولية وهندستها وكذلك شبكة التفاهمات السياسية، الأمر الذي لا يمكن قراءته بمنأىً عن مسار الانفتاح الذي لا بد منه ولكن بشرط تحويله إلى نتائج ملموسة تعود بالفائدة على الكورد لتخدمهم في عملية الاستقرار ودعم مصالحهم على المدى الاستراتيجي البعيد. فهل تنجح الدبلوماسية الكوردية في صناعة مستقبل كوردي لافت أثناء الانتقال من حالة الحضور إلى حالة التأثير؟
ليفانت: زينه عبدي
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

