-
إيران تحت النار: الضربة الاستباقية واختبار بقاء نظام ولاية الفقيه
-
فجر الانفجارات: كسر احتكار المبادرة
في الساعات الأولى من فجر السبت، تحولت طهران وعدد من المدن الإيرانية إلى مسرح عمليات عسكرية واسعة، مع توالي تقارير عن انفجارات في وسط وشرق العاصمة، واستهدافات طالت مواقع حساسة، بينها محيط مطار مهرآباد. وكالة رويترز نقلت عن مصادر متعددة سماع دوي انفجارات في مناطق الجمهورية وسيد خندان، فيما تحدثت قنوات مقربة من الحرس عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف عناصر عملياتية.
اللافت في هذه التطورات ليس فقط حجم الضربات، بل كسر احتكار المبادرة العسكرية الذي طالما تباهى به نظام ولاية الفقيه. انتقال المواجهة إلى العمق الإيراني بهذا الشكل يضع النظام أمام معادلة أمنية غير مسبوقة منذ الحرب العراقية–الإيرانية، ويكشف هشاشة منظومة الردع التي بنى عليها شرعيته الإقليمية.
الضربة الاستباقية: تنسيق أمريكي–إسرائيلي معلن
بحسب ما نقلته رويترز عن وزير الدفاع الإسرائيلي، فإن العملية كانت "ضربة استباقية" نُفذت بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وفي رسالة متلفزة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء "عملية عسكرية كبرى ضد إيران"، مؤكداً أن الهدف هو "إزالة التهديدات الوشيكة الصادرة عن النظام الإيراني".
هذا الإعلان العلني يُخرج العملية من نطاق الغموض التكتيكي إلى إطار ردعي استراتيجي. واشنطن وتل أبيب لا تسعيان فقط إلى تحييد أهداف عسكرية محددة، بل إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك مع طهران، وتوجيه رسالة مفادها أن استراتيجية "الحرب بالوكالة" لم تعد توفر مظلة أمان للنظام.
انكشاف الداخل: اضطراب الاتصالات وإخلاء القيادة
التقارير عن انقطاع شبكات الهاتف المحمول، وضعف الإنترنت، وإغلاق المجال الجوي، تعكس دخول البلاد في حالة طوارئ شاملة. الأهم من ذلك ما أوردته وسائل إعلام عن نقل علي خامنئي إلى مكان آمن خارج طهران. في الأنظمة المؤدلجة، يُعدّ إخلاء رأس الهرم السياسي–الديني إشارة نفسية عميقة تتجاوز البعد الأمني.
من منظور إدارة الأزمات، فإن نقل القيادة يعكس تقديراً بوجود تهديد مباشر لبنية القرار، ويُظهر أن النظام يتعامل مع الضربة باعتبارها تهديداً وجودياً لا حادثاً عابراً. هذا التطور يضعف صورة "الصلابة الثورية" التي يسعى النظام إلى تصديرها داخلياً.
الحرس الثوري تحت الضغط: استهداف البنية العملياتية
قناة "صابرين نيوز" المقربة من الحرس تحدثت عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، بينهم عناصر يشغلون مناصب تخصصية مهمة. إذا صحّت هذه المعلومات، فإن الضربات لم تكن عشوائية، بل استهدفت العمود الفقري العملياتي للحرس الثوري.
استهداف الكوادر المتخصصة يهدف إلى إضعاف القدرة على التخطيط والرد، لا مجرد إلحاق خسائر رمزية. وهذا يتسق مع استراتيجية تقويض شبكات القيادة والسيطرة التي يعتمد عليها النظام في إدارة نفوذه الإقليمي عبر قوة القدس وأذرعه في المنطقة.
السيناريوهات المحتملة: بين الرد غير المتكافئ والانكفاء
يواجه النظام ثلاثة خيارات رئيسية:
تصعيد مباشر عبر إطلاق صواريخ أو هجمات ضد أهداف أمريكية أو إسرائيلية، ما يفتح الباب أمام حرب واسعة.
رد غير متكافئ عبر الوكلاء في العراق وسوريا ولبنان واليمن، لتجنب مواجهة تقليدية مباشرة.
الانكفاء المؤقت مع محاولة امتصاص الضربة وإعادة بناء الردع داخلياً.
غير أن كل خيار يحمل كلفة مرتفعة. التصعيد قد يعرّض البنية التحتية الإيرانية لموجة ضربات أوسع. أما الرد عبر الوكلاء، فقد يواجه هذه المرة برد مباشر على الأراضي الإيرانية نفسها. والانكفاء سيُفسَّر داخلياً كدليل ضعف، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المتصاعد.
البعد الداخلي: النظام بين المطرقة الخارجية والسندان الشعبي
التطورات العسكرية تتقاطع مع أزمة داخلية عميقة. وفق ما تنشره مواقع المعارضة، فإن البلاد تعيش حالة احتقان اجتماعي حاد، مع تراجع اقتصادي حاد وتآكل الثقة بالمؤسسات.
في هذا السياق، الضربة الخارجية قد تؤدي إلى نتيجتين متناقضتين: إما تعبئة قومية مؤقتة خلف النظام، أو تسريع تفكك شرعيته إذا عجز عن الرد أو حماية العمق الوطني. التجارب التاريخية تشير إلى أن الأنظمة ذات الشرعية الأيديولوجية الهشة تكون أكثر عرضة للاهتزاز عند انتقال المواجهة إلى أراضيها.
إعادة تشكيل التوازن الإقليمي
لطالما قدّم نظام ولاية الفقيه نفسه باعتباره محور الاستقرار المقاوم في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. غير أن الضربة الحالية تقلب المعادلة: إيران تبدو الآن ساحة مواجهة مباشرة، لا لاعباً يدير الصراع من خلف الستار.
إذا استمرت العمليات أو تكررت، فقد نشهد تحوّلاً جذرياً في معادلة الردع في الشرق الأوسط، حيث يصبح العمق الإيراني مكشوفاً أمام عمليات دقيقة، ما يُقيّد هامش مناورة طهران في توظيف أدوات نفوذها الإقليمية، ويفرض عليها إدخال معادلات ردع وكلفة أكثر تعقيداً في أي قرار تصعيدي.
الخلاصة: لحظة اختبار وجودي
ما جرى فجر السبت ليس مجرد عملية عسكرية، بل اختبار بقاء لنظام ولاية الفقيه. النظام الذي بنى شرعيته على خطاب القوة والردع يواجه الآن تحدياً مباشراً في قلب عاصمته. قدرته على إدارة هذه الأزمة — عسكرياً وسياسياً ونفسياً — ستحدد ما إذا كانت الضربة حدثاً عابراً، أم بداية مرحلة تآكل متسارع في بنية السلطة.
في جميع الأحوال، دخلت إيران مرحلة جديدة تتسم بارتفاع المخاطر وانخفاض هوامش المناورة، حيث تتقاطع الأزمة الداخلية مع الضغط الخارجي في معادلة قد تعيد رسم مستقبل الدولة الإيرانية وتوازنات المنطقة بأسرها.
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

