الوضع المظلم
السبت ٢٨ / فبراير / ٢٠٢٦
Logo
  • اجماع أوروبي يتبلور: دعم سياسي صريح لبديل ديمقراطي في مواجهة نظام الملالي

  • تحوّل في الخطاب الأوروبي: من القلق إلى تبنّي البديل
اجماع أوروبي يتبلور: دعم سياسي صريح لبديل ديمقراطي في مواجهة نظام الملالي
سامي خاطر

تشير التطورات المتزامنة مع إحياء يوم المرأة العالمي إلى نقلة نوعية في الموقف الأوروبي إزاء الأزمة الإيرانية. فالتصريحات الصادرة عن شخصيات برلمانية وحقوقية من إسبانيا وإيطاليا، إلى جانب رئاسة اتحاد المحامين الأوروبيين، لم تقتصر على إدانة انتهاكات حقوق الإنسان، بل ذهبت أبعد من ذلك نحو تبنّي واضح لفكرة التغيير السياسي البنيوي في إيران.

وبحسب ما نشرته المواقع العربية، فإن هذا الدعم يتقاطع مع الطرح الذي يقدمه المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية حول إقامة جمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة.  اللافت في هذه المواقف أنها لم تعد تستخدم لغة دبلوماسية رمادية، بل تتبنى توصيفاً مباشراً لـ دكتاتورية الملالي باعتبارها العقبة المركزية أمام الاستقرار الداخلي والإقليمي.

 

مجلس الشيوخ الإسباني: إجماع حزبي غير مسبوق

في هذا السياق، برز موقف مجلس الشيوخ الإسباني من خلال تصريحات بيلار روخو، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية، التي أكدت وجود إجماع سياسي عابر للأحزاب لدعم نضال النساء الإيرانيات. هذا الإجماع يحمل دلالة استراتيجية؛ إذ يعكس انتقال الملف الإيراني من هامش الجدل الحزبي إلى منطقة توافق مؤسساتي داخل إحدى الدول الأوروبية المؤثرة.

الأهم من ذلك هو الإشارة الصريحة إلى أن خطة النقاط العشر التي طرحتها مريم رجوي تمثل "أساساً متيناً" لمرحلة انتقالية. عملياً، يعني ذلك أن جزءاً من النخبة السياسية الأوروبية بات يرى في المعارضة المنظمة شريكاً محتملاً في مرحلة ما بعد النظام، وليس مجرد صوت احتجاجي في المنفى.

هذا التحول يضع النظام الإيراني أمام معادلة جديدة: لم يعد قادراً على تصوير معارضيه ككيانات معزولة بلا غطاء دولي، في وقت يتآكل فيه رصيده الدبلوماسي بفعل سياساته الإقليمية والنووية.

 

مجلس الشيوخ الإيطالي: من التضامن الرمزي إلى هدف إسقاط الدكتاتورية

الموقف الصادر عن عضوة مجلس الشيوخ الإيطالي إليسا بيرو اتسم بوضوح أكبر. فالتضامن، وفق تصريحاتها خلال فعالية نظمها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، ليس دعماً أخلاقياً فحسب، بل التزام سياسي "حتى إسقاط الدكتاتورية".

هذه اللغة تتجاوز مفردات حقوق الإنسان التقليدية لتدخل في نطاق تحديد الهدف النهائي: إنهاء نظام ولاية الفقيه.  من منظور تحليلي، يعكس ذلك قناعة متنامية في دوائر أوروبية بأن استمرار النظام الحالي يمثل مصدر عدم استقرار مزمن، وأن أي معالجة سطحية أو إصلاح جزئي لن يغير طبيعة بنيته السلطوية.

كما أن الربط بين تحرير المرأة وإقامة نظام ديمقراطي يفصل الدين عن الدولة يعكس إدراكاً بأن قضية المرأة أصبحت مؤشراً معيارياً لشرعية النظام السياسي.  فالنظام الذي يقمع نصف المجتمع لا يمكن اعتباره شريكاً طبيعياً في منظومة دولية تقوم على القيم الليبرالية.

 

اتحاد المحامين الأوروبيين: ترسيخ معايير المرحلة الانتقالية

تصريحات إيزابيلا كونوباكسا، رئيسة اتحاد المحامين الأوروبيين، أضافت بعداً قانونياً مؤسسياً للنقاش. إذ حددت ثلاث ركائز لأي إيران ديمقراطية مستقبلية:  المساواة الكاملة، وإلغاء عقوبة الإعدام، وضمان الحريات الدستورية.

هذا الطرح لا يكتفي بإدانة الوضع القائم، بل يرسم ملامح معمار دستوري بديل.  وهو ما يتقاطع مع مضمون خطة النقاط العشر التي تؤكد على إلغاء الإعدام، واستقلال القضاء، والتعددية السياسية. عملياً، يشكل هذا التلاقي بين المعارضة الإيرانية ومرجعيات قانونية أوروبية بنية سردية مضادة لشرعية النظام، الذي ما يزال يستخدم الإعدام والقمع كأدوات حكم.

 

دلالات استراتيجية: عزلة متصاعدة ونقطة تحوّل محتملة

المحصلة أن نظام الملالي يواجه اليوم تآكلاً مزدوجاً في الشرعية:  داخلياً عبر انتفاضات متكررة تقودها النساء والشباب، وخارجياً عبر مواقف سياسية أوروبية أكثر صراحة في دعم التغيير. وإذا استمر هذا المسار، فإن طهران ستجد نفسها أمام بيئة دولية أقل استعداداً للفصل بين ملف حقوق الإنسان وسلوكها السياسي العام.

الرهان التقليدي للنظام على انقسام المواقف الغربية يبدو أقل فعالية في ظل مؤشرات الإجماع المتزايد. وفي المقابل، تستثمر المعارضة المنظمة هذا المناخ لتعزيز صورتها كبديل جاهز.

السؤال الاستراتيجي لم يعد ما إذا كان هناك دعم دولي للمرأة الإيرانية، بل إلى أي مدى سيتحول هذا الدعم إلى سياسات عملية تضغط باتجاه انتقال ديمقراطي.  عند هذه النقطة تحديداً، يصبح التضامن الأوروبي عاملاً مؤثراً في إعادة رسم ميزان القوة بين مجتمع يتوق للحرية ونظام يزداد انكشافاً وعزلة.

د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!