-
اعترافات الخوف: كيف تكشف تصريحات قادة طهران هشاشة نظام الملالي أمام المقاومة المنظمة
أولاً: من خطاب القوة إلى لغة الذعر
تعكس التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولي نظام الملالي خلال مارس 2026 تحوّلاً نوعيًا في اللغة السياسية والأمنية، من خطاب الهيمنة إلى خطاب قلق مكشوف. فبدل التركيز التقليدي على "التهديدات الخارجية"، باتت التصريحات الرسمية تتمحور حول الخطر الداخلي المنظم، وهو ما يكشف خللاً عميقًا في أولويات النظام وتقديراته.
هذه النقلة ليست مجرد تغير في الأسلوب، بل مؤشر على أن النظام بات يرى في الانتفاضة المحتملة تهديدًا وجوديًا يفوق في خطورته أي سيناريو عسكري خارجي، ما يعكس إعادة ترتيب هرم التهديدات داخل مؤسسات الحكم.
ثانياً: الأمنيون يتحدثون بلغة الميدان
في هذا السياق، جاءت تصريحات حميد رضا مقدم فر لتعكس قلقًا عملياتيًا دقيقًا، حيث تحدث عن تحركات مجموعات شبابية صغيرة، متنقلة، ومنظمة في المدن.
هذه الإشارات تحمل دلالات استراتيجية، إذ تكشف أن أجهزة الأمن لم تعد تواجه احتجاجات عفوية، بل شبكات مرنة ذات تكتيكات ميدانية قادرة على المناورة والتخفي.
إن توصيف هذه التحركات من قبل مسؤول أمني بهذا المستوى يشير إلى إدراك داخلي بأن وحدات المقاومة لم تعد ظاهرة هامشية، بل تحولت إلى فاعل ميداني منظم يفرض معادلات جديدة في الشارع الإيراني. وهذا التحول يضع النظام أمام معضلة مركبة: عدو داخلي غير مركزي، يصعب استهدافه بالوسائل التقليدية.
ثالثاً: استراتيجية خنق الفضاء الاجتماعي
تصريحات غلام حسين نوفرستي تكشف عن انتقال النظام إلى استراتيجية دفاعية هجومية تقوم على حرمان المعارضة من أي حيّز اجتماعي أو جغرافي. الدعوة إلى ملاحقة المعارضين في الأزقة والمنازل والمرافق العامة تعكس إدراكًا بأن المقاومة نجحت في اختراق النسيج المجتمعي، ولم تعد محصورة في دوائر سياسية ضيقة.
هذا التوجه يعكس حالة من الارتياب الشامل داخل بنية النظام، حيث يتحول المجتمع ذاته إلى ساحة اشتباه. وهو ما يؤدي، على المدى المتوسط، إلى تآكل ما تبقى من شرعية الدولة، إذ تصبح العلاقة بين السلطة والمجتمع قائمة على الشك والقمع، لا على السيطرة المستقرة.
رابعاً: عسكرة الفضاء العام والاعتراف الضمني بالأزمة
أما تصريحات أحمد علم الهدى، التي دعت إلى انتشار دائم للميليشيات في الشوارع، فتمثل انتقالًا إلى مرحلة عسكرة الفضاء العام. الأهم في هذه التصريحات هو الإقرار الصريح بأن التهديد الحقيقي لا يتمثل في الصواريخ، بل في السيطرة على الشارع.
هذا الاعتراف يحمل دلالة استراتيجية عميقة: النظام يعترف ضمنيًا بأنه يفقد احتكاره للفضاء العام، وهو أحد أهم ركائز السيطرة السياسية. فحين تضطر السلطة إلى نشر ميليشياتها بشكل دائم، فإنها تعلن عمليًا أن قدرتها الطبيعية على الضبط الاجتماعي قد تآكلت.
خامساً: خطاب التعبئة كمرآة للخوف
ترافقت هذه التصريحات مع تصعيد في الهتافات الرسمية ضد المعارضة خلال الفعاليات الحكومية، وهو ما يعكس ما يمكن تسميته بـ "التعبئة القلقة". فبدلاً من أن تكون هذه الفعاليات أداة لإظهار القوة، تحولت إلى منصات لتفريغ القلق الداخلي.
إن تكرار الهجوم اللفظي على المقاومة يشير إلى أن النظام بات يتعامل معها كـ تهديد مركزي دائم، لا كخصم عابر. وهذا النمط من الخطاب غالبًا ما يكون مؤشرًا على فقدان الثقة بالقدرة على الاحتواء.
سادساً: معادلة التهديد الحقيقي
تشير مجمل هذه المؤشرات إلى أن ما يقلق النظام ليس الاحتجاجات العفوية، بل الحركة المنظمة القادرة على التراكم والتوجيه. فالتجارب السابقة أظهرت أن الاحتجاجات غير المنظمة يمكن احتواؤها، أما وجود بنية تنظيمية فاعلة فيحوّل الغضب الشعبي إلى قوة سياسية قابلة للتحول إلى تغيير فعلي.
هذا ما يفسر تركيز الخطاب الرسمي على تفكيك الروابط الاجتماعية والتنظيمية للمقاومة، بدل الاكتفاء بالقمع المباشر.
سابعاً: دلالات استراتيجية – نظام في مواجهة نهايته
في ضوء هذه التصريحات، يمكن استخلاص نتيجة مركزية: نظام الملالي يواجه تهديدًا داخليًا منظّمًا يتجاوز قدرته التقليدية على القمع. فكلما صعّد النظام من إجراءاته الأمنية، كشف في الوقت ذاته عن عمق أزمته البنيوية.
إن الخطر الذي لا يستطيع النظام احتواءه هو ذلك الذي يتغلغل داخل المجتمع ويعيد تشكيله من الداخل. ومع تزايد هذا النمط من التهديد، يصبح القمع أداة استنزاف لا أداة حسم.
خلاصة تحليلية
تكشف تصريحات قادة طهران، دون قصد، عن حقيقة استراتيجية حاسمة: النظام لم يعد يخشى الخارج بقدر ما يخشى الداخل المنظّم. فالمعادلة لم تعد بين سلطة ومعارضة، بل بين نظام متآكل وحركة ديناميكية تتوسع داخل المجتمع.
وفي هذا السياق، فإن استمرار هذا المسار يعني أن النظام يقترب من نقطة فقدان السيطرة التدريجية، حيث يصبح التغيير ليس احتمالًا، بل نتيجة منطقية لتراكم عوامل لم يعد بالإمكان احتواؤها.
ليفانت: عبدالرزاق الزرزو
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

