-
الخيار الثالث في إيران: لماذا يرفض المجتمع الإيراني استبداد الملالي وعودة الشاه؟
-
أزمة الشرعية في قلب النظام الإيراني
تشهد إيران في السنوات الأخيرة تحوّلاً نوعياً في طبيعة الصراع السياسي داخلها. فالمشهد لم يعد مجرد سلسلة احتجاجات مطلبية مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية، بل أصبح صراعاً بنيوياً حول شرعية النظام نفسه. في هذا السياق، تتزايد المؤشرات على أن المجتمع الإيراني يمر بمرحلة انفصال عميق عن نموذج الحكم القائم على ولاية الفقيه، وهو النموذج الذي احتكر السلطة باسم الدين منذ عام 1979.
لقد أدى هذا النموذج إلى تركيز غير مسبوق للسلطة السياسية والدينية في يد نخبة ضيقة من رجال الدين، الأمر الذي حوّل الدولة إلى منظومة ثيوقراطية مغلقة. وبمرور الوقت، أنتج هذا الاحتكار بنية حكم تقوم على القمع السياسي، وتقييد الحريات العامة، وتهميش المشاركة الشعبية. وتشير تقارير المعارضة الإيرانية، ولا سيما ما تنشره مصادر مرتبطة بالمقاومة الإيرانية، إلى أن هذا النموذج لم يعد قادراً على إنتاج الاستقرار أو حتى الحفاظ على شرعيته الداخلية.
في هذا السياق، يبرز خطاب السيدة مريم رجوي بوصفه أحد أهم التعبيرات السياسية عن هذا التحول، إذ يركّز على أن الأزمة في إيران ليست أزمة إدارة أو إصلاحات جزئية، بل أزمة نظام سياسي فقد أساسه الاجتماعي والأخلاقي.
حتمية تآكل نظام ولاية الفقيه
تراكمت خلال العقود الأربعة الماضية مجموعة من العوامل التي أدت إلى تآكل تدريجي في بنية نظام ولاية الفقيه. فاقتصادياً، تعاني البلاد من تضخم مزمن وعقوبات دولية وعزلة سياسية. أما سياسياً، فقد أدى القمع المتكرر للحركات الاحتجاجية إلى تعميق الهوة بين الدولة والمجتمع.
النقطة الجوهرية هنا هي أن النظام الإيراني لم ينجح في تطوير عقد اجتماعي جديد مع المجتمع. بل على العكس، اعتمد بصورة متزايدة على أجهزة الأمن والحرس الثوري كأدوات أساسية لضبط المجال السياسي. وهذا ما جعل كثيراً من الباحثين يرون أن النظام أصبح يعتمد على القوة الصلبة أكثر من الشرعية السياسية.
وبحسب الخطاب السياسي للمقاومة الإيرانية، فإن هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. فالدولة التي تعتمد أساساً على القمع بدل المشاركة الشعبية تدخل تدريجياً في مرحلة التآكل الهيكلي التي تسبق التحولات السياسية الكبرى.
رفض العودة إلى نموذج الشاه
في موازاة أزمة النظام الحالي، برز في بعض الأوساط السياسية والإعلامية خطاب يدعو إلى إحياء نموذج الحكم البهلوي باعتباره بديلاً ممكناً. غير أن هذا الطرح يواجه رفضاً واسعاً داخل المجتمع الإيراني، لأسباب تاريخية وسياسية واضحة.
لقد ارتبط نظام الشاه في الذاكرة الإيرانية بمرحلة الحكم الفردي المركزي الذي اعتمد على أجهزة أمنية قوية، أبرزها جهاز السافاك، وقيد الحريات السياسية بصورة واسعة. ولذلك فإن كثيراً من الإيرانيين ينظرون إلى فكرة استعادة ذلك النموذج باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج الاستبداد بصيغة مختلفة.
إن استخدام مصطلح نظام الشاه هنا لا يستهدف التجربة التاريخية بقدر ما يهدف إلى التمييز بين نموذجين سلطويين: الأول ديني يتمثل في ولاية الفقيه، والثاني بهلوي عرفته إيران قبل الثورة. وفي الحالتين، كان الشعب خارج دائرة القرار السياسي الحقيقي.
ولهذا فإن المزاج السياسي السائد داخل قطاعات واسعة من الإيرانيين لا يتجه نحو الاختيار بين هذين النموذجين، بل نحو البحث عن بديل ثالث يتجاوزهما معاً.
الخيار الثالث: الجمهورية الديمقراطية
في هذا السياق، تطرح قوى المعارضة المنظمة، وعلى رأسها المقاومة الإيرانية، ما يُعرف بـ الخيار الثالث. ويقوم هذا الطرح على فكرة بسيطة لكنها جوهرية: رفض الاستبداد الديني ورفض عودة الاستبداد البهلوي في آن واحد.
يتمثل هذا الخيار في إقامة جمهورية ديمقراطية تعددية تقوم على سيادة القانون، والفصل بين الدين والدولة، واحترام حقوق الإنسان. كما يؤكد هذا الطرح على ضرورة أن تكون الشرعية السياسية نابعة من صناديق الاقتراع الحرة، وليس من الوراثة السياسية أو التفويض الديني.
وترى مريم رجوي أن هذا المشروع يمثل امتداداً للنضال التاريخي للشعب الإيراني من أجل الحرية. فالمسألة بالنسبة للإيرانيين ليست مجرد تغيير شخص الحاكم، بل إعادة بناء النظام السياسي على أساس السيادة الشعبية.
تداعيات دولية محتملة
إن فهم هذا التحول في المزاج السياسي الإيراني له أهمية كبيرة على المستوى الدولي. فالكثير من التحليلات الخارجية ما زالت تنظر إلى مستقبل إيران من خلال ثنائية النظام الحالي أو عودة النظام البهلوي. غير أن هذا الإطار التحليلي يتجاهل حقيقة أن جزءاً متزايداً من المجتمع الإيراني يتبنى رؤية سياسية مختلفة جذرياً.
وبالتالي، فإن أي مقاربة دولية واقعية لمستقبل إيران ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار تنامي فكرة الخيار الثالث بوصفها تعبيراً عن تطلعات شريحة واسعة من الإيرانيين إلى نظام سياسي جديد.
الخلاصة
إن الصراع السياسي في إيران اليوم يتجاوز مسألة الإصلاح أو التعديل داخل النظام القائم. إنه صراع حول طبيعة الدولة نفسها. وبين استبداد ولاية الفقيه واستبداد النظام البهلوي، يتبلور تدريجياً مسار ثالث يسعى إلى بناء جمهورية ديمقراطية حديثة.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن مستقبل إيران لن يُحسم في دهاليز السلطة، بل في ديناميات المجتمع الإيراني ذاته، حيث يتزايد الإصرار على إنهاء حقبة الاستبداد بصيغتيه الدينية والبهلوية، وفتح الطريق أمام نظام سياسي يقوم على الإرادة الشعبية الحرة.
ليفانت: عبدالرزاق الزرزور
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

