الوضع المظلم
الأحد ١٢ / أبريل / ٢٠٢٦
Logo
جُبناء.. عليّ وعلى أعدائي
إبراهيم جلال فضلون

حين تتحول الحماية إلى ابتزاز، يصبح التحرر واجبًا لا خيارًا، ومن يبع أرضه بوعود الحماية، يستيقظ وقد فقد الأرض والوعد معاً، وكأن النداء الذي صدح به الثلاثي من وحي الصمود (الأبنودي - الطويل - عبد الحليم) في أتون نكسة 1967، لم يكن مجرد كلمات عاطفية، بل كان "دستوراً وجدانياً" يُبعث اليوم من جديد: "ابنك يقولك يا بطل هات لي النهار.. ابنك يقولك يا بطل هات لي انتصار.. ابنك يقول أنا حواليا المية مليون العربية.. ومفيش مكان للأمريكان بين الديار"، ليبرز حالنا العربي اليوم، فلم يعد للديار العربية مُتسعٌ لقواعدَ عسكرية تحولت من "حماية الاستقرار" إلى "حماية الاحتلال"، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية مع التعنت الإسرائيلي لتصنع واقعًا مشوهًا، أصبح جزءًا من نظام مُمنهج يُدار بعناية فائقة في غرف "الهندسة المظلمة"، في منطقة تُستنزف بلا نهاية، وشعوب تُدفع ثمنًا لصراعات لم تختَرها، وقوى إقليمية تُحاول استعادة بوصلتها وسط ضبابٍ كثيف من التضليل في الشرق الأوسط.

أولاً: "المقاولين واللصوص" فقد وعد ترمب مواطنيه بأنه لن يزج البلاد في صراعات تدور في أراض بعيدة لكن شعار "أميركا أولاً" يبدو أنه أسقط ولو موقتاً لمصلحة حرب لا هدف واضحاً لها، ومع مهلة قد تجلب العار الأمريكي أكثر، وحيثُ السياسة بمنطق النهب الذي بات يمارس نوعاً من "الألاعيب الماسونية" التي تعتمد على هندسة الفوضى لإدارة الموارد، وكأنهم لا يبحثون عن استقرار، بل عن "عقود إعادة إعمار" تُوقع فوق أنقاض المدن التي هدمتها أسلحتهم، وعن "عمولات سياسية" تُدفع من دماء شعوبنا وغيرهم، وتهديدات متبادلة قبيل انتهاء مهلة ترمب وإسرائيل تتهيأ لـ"أسابيع من القتال"، مُتناسين أن الشعوب العربية، بوعيها الفطري والتاريخي، باتت تُمقتّ هذه الأدوات التي تتعامل مع الأوطان كعقارات معروضة للمزايدة، ومع الثروات النفطية كغنيمة حرب يجب تأمينها بقواعد عسكرية لا تحمي أحداً بقدر ما تحمي "اللصوص" الذين يسرقون حلم المنطقة في التنمية المستقلة.

ثانياً: العلاقة السامة.. التي حولت إسرائيل في الوعي الأمريكي والدولي من "حليف" إلى "مرض سرطاني"، يُنهك جسد الإدارة الأمريكية. وجعلت عهد "ترامب" المُتخبط أسوأ قائد في تاريخ أميركا، إذ بدا أن القرار يُكتب في تل أبيب ويُوقع في واشنطن، مما أفقد الولايات المتحدة ثقلها العالمي وجعل نفوذها يتآكل تدريجيًا تحت وطأة هذا الارتباط المختل، والأرقام لا تكذب، بلغةِ "النزيف" لا لغةِ "النمو"، حيثُ تحولت الترسانة العسكرية إلى ثقبٍ أسود يبتلعُ رفاهية الشعوب." وفق (صندوق النقد الدولي، بلومبرغ، وتقارير مراكز الأبحاث في "تل أبيب" وواشنطن) عن حالة "التفكك الهيكلي" في منظومة القطب الواحد. ولنرى دخول الاقتصاد الإسرائيلي "أجهزة التنفس الصناعي "في الربع الأول من عام 2026 نفقاً مظلماً لم يشهده منذ عام 1948. كما تُعاني إسرائيل من "شلل القوى العاملة" بسبب استمرار استدعاء الاحتياط، مما كلف قطاع البناء والزراعة خسائر شهرية تقدر بـ 2.5 مليار دولار.

 

أما ماما أميركا، فتُعاني الديون السيادية في "تضخمُ مُرعب"، رغم محاولتها استعراض قوتها، فإن خزانتها تئنُّ تحت وطأة تحالف "المرأة اللعوب" وعنادها مع إسرائيل على حساب جيب المواطن الأمريكي:

الدين العام الانفجاري: وصل الدين القومي الأمريكي إلى رقم مرعب وهو 38 تريليون دولار بحلول مارس 2026.

كلفة المساعدات العسكرية: بلغت حزم المساعدات العاجلة لإسرائيل منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم نحو 32 مليار دولار، وهو ما يعادل ميزانية بناء 500 مستشفى متطور في الداخل الأمريكي.

تضخم الطاقة: أدى التوتر في البحر الأحمر وغياب الاستقرار في الخليج إلى بقاء التضخم فوق مستوى 4.8 %، مما أفقد الدولار12 %من قوته الشرائية العالمية لصالح سلة عملات "بريكس".

تكلفة الوجود العسكري: إنفاق 450 مليون دولار شهرياً لتأمين القواعد الأمريكية في المنطقة التي أصبحت "أهدافاً ثابتة" في حربٍ لا تنتهي.

ثالثاً: "الفساد الاستراتيجي" أظهر أن السياسة التي تتبعها واشنطن بتفويض إسرائيل كـ "سيدة قرار" أدت إلى أزمة لوجستية عالمية واغلاق مضيق هرمز مما أثر على تضاعف كلفة التأمين البحري عبر مضيق باب المندب بنسبة 300 %، مؤثراً على السلع الأساسية في أوروبا بنسبة 22 %، ولا ننسي وصول سعر برميل النفط مُتأرجحًا بين 110 و130 دولاراً، مع تحذيرات مصرية-سعودية بأن أي "حماقة إسرائيلية" تجاه المنشآت النفطية الإقليمية ستقفز بالبرميل إلى 200 دولار، وهو ما يعني "الإفلاس الشامل" للاتحاد الأوروبي، وتوقعناه وقد حدث في مقالاتنا السابقة.

رابعاً: جدار جدة.. حين يلتقي "النهار" بالانتصار وسط هذا العبث، الذي حاولت إسرائيل دفع المنطقة إلى مواجهة مباشرة مع إيران، عبر سياسة حافة الهاوية، مدفوعة برغبة واضحة في نقل المعركة إلى أراضٍ أخرى، لكنها اصطدمت بوعي سياسي عربي متقدم وجدار صلب، تقوده القاهرة والرياض، في زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جدة كلحظة كاشفة لإعلان "السيادة المطلقة". و"بتر التدخلات الخارجية" ومنع الانفجار الكبير الذي يخطط له "مقاولو الحروب". لقد ظهر بوضوح أن مصر بجيشها العظيم والسعودية بثقلها الاقتصادي والنفطي هما "صمام الأمان" الذي يرفض أن تتحول المنطقة إلى "رهينة" دائمة لصراعات الآخرين.

خامساً: "مفيش مكان للأمريكان"، هكذا أدرك العرب أن "السلام لا يولد من رحم الهيمنة"، وأن استمرار وجود القواعد الأمريكية، التي لم تمنع حرباً ولم توقف تصعيداً، بات يمثل استفزازاً للكرامة الوطنية وعبئاً على الاقتصاد، وبات العالم يدرك اليوم أن استقرار الأسواق العالمية يعتمد على "كلمة" تخرج من الرياض والقاهرة، وبتر مسببات الأزمة، أي القواعد التي تجلب القلاقل، والتحالفات التي تُغذي الفوضى.

إن الشعوب التي غنت "ومفيش مكان للأمريكان بين الديار" في 1967، هي ذاتها اليوم في 2026 التي ترفض "منطق اللصوصية"، وبعيداً عن ألاعيب "الماسونية السياسية" التي تحاول رسم خرائط الدم والنهب، وبالتالي يجب علينا:

فك الارتباط التدريجي: المضي قدماً في تنويع التحالفات الدولية (الشرق والجنوب العالمي) لكسر احتكار "المقاول الأمريكي".

تفعيل الصندوق السيادي العربي المشترك: لتحصين الاقتصادات ضد "تضخم الرعب" المصدّر من الغرب.

تطهير الديار: البدء في وضع جداول زمنية لتقليص الوجود العسكري الأجنبي، وتحويل مهام الحماية إلى "قوة عربية مشتركة" تنطلق من عقيدة الدفاع عن الأرض لا الدفاع عن المصالح الأجنبية.

وقفة: حين تسقط الأرقام في هاوية العجز، تسقط معها أساطير الهيمنة؛ واليوم، الديار العربية تتحدث بلغة السيادة التي لا تُباع بمساعدات، ولا تُشترى بوعودٍ كاذبة، لأن السلام لا يولد من رحم الهيمنة، بل من لحظة شجاعة تقرر فيها الأمة أن تستعيد نفسها، وتطرد اللصوص من هيكل قرارها السيادي.. فلنُعيد كِتابةَ التَّاريخ بِمدادِ الكرامةِ.

ليفانت: ا. د. إبراهيم جلال فضلون

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!