الوضع المظلم
الثلاثاء ١٧ / مارس / ٢٠٢٦
Logo
  • حرب الكهرباء: كيف يكشف تهديد لاريجاني عن أخطر سيناريو صراع في الشرق الأوسط

حرب الكهرباء: كيف يكشف تهديد لاريجاني عن أخطر سيناريو صراع في الشرق الأوسط
تهديد لاريجاني

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، أطلق لاريجاني تصريحاً لافتاً يحمل في طياته دلالات تتجاوز مجرد الخطاب السياسي التقليدي. قال لاريجاني بوضوح إن تدمير شبكة الكهرباء في إيران قد يقود إلى انقطاع الكهرباء عن المنطقة بأكملها خلال ثلاثين دقيقة، مضيفاً أن “الظلام سيوفر فرصة كبيرة لمطاردة الجنود الأمريكيين الذين يركضون بحثاً عن الأمان”.

ورغم أن مثل هذه التصريحات قد تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى خطاب الردع الإعلامي، إلا أن مضمونها يعكس تصوراً استراتيجياً متقدماً لطبيعة الحروب الحديثة في الشرق الأوسط. فالحروب في القرن الحادي والعشرين لم تعد تدور حول السيطرة على الأرض فحسب، بل حول السيطرة على البنية التحتية الحيوية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها الطاقة والكهرباء وشبكات الاتصالات.

يأتي هذا التصريح في سياق تصاعد التوتر بين إيران من جهة، الولايات المتحدة واسرائيل من جهة أخرى، حيث بات استهداف البنية التحتية الحيوية جزءاً أساسياً من الاستراتيجيات العسكرية الحديثة.

ففي العقود السابقة كانت الحروب التقليدية تستهدف الجيوش ومراكز القيادة العسكرية. أما اليوم، فإن ضرب منظومات الطاقة أو الاتصالات قد يكون أكثر تأثيراً من تدمير الوحدات العسكرية نفسها، لأن تعطيل هذه المنظومات يؤدي إلى شلل اقتصادي وأمني واسع النطاق.

وفي هذا السياق، يشير تهديد لاريجاني إلى احتمال انتقال أي مواجهة عسكرية إلى مستوى جديد: حرب الطاقة الإقليمية.

الكهرباء كسلاح استراتيجي

الكهرباء ليست مجرد خدمة عامة؛ إنها العمود الفقري لكل منظومات الدولة الحديثة. فكل شيء تقريباً يعتمد عليها: تشغيل المطارات والموانئ، تشغيل شبكات الاتصالات والإنترنت، عمل المستشفيات والأنظمة الصحية، إدارة شبكات المياه والتحلية وتشغيل المصانع وسلاسل التوريد.

وفي منطقة مثل الخليج، تصبح الكهرباء أكثر حساسية لأن جزءاً كبيراً من الحياة اليومية يعتمد على محطات تحلية المياه التي تعمل بالطاقة الكهربائية. أي خلل واسع في الكهرباء قد يعني ببساطة توقف إمدادات المياه خلال ساعات. ولهذا السبب، فإن استهداف شبكات الطاقة أصبح أحد أكثر أدوات الضغط الاستراتيجي خطورة في النزاعات المعاصرة.

إذا نظرنا إلى جغرافيا الطاقة في الشرق الأوسط، نجد أن منطقة الخليج تمثل واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم. فالدول الخليجية تعتمد بدرجة كبيرة على منظومات طاقة مركزية ومحطات ضخمة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه. كما أن هذه الدول تستضيف قواعد عسكرية أمريكية رئيسية، ما يجعلها جزءاً مباشراً من أي صراع محتمل بين واشنطن وطهران.

في مثل هذا السياق، فإن أي ضربات تستهدف البنية التحتية للطاقة في المنطقة قد تؤدي إلى سلسلة من التداعيات المتشابكة: توقف محطات التحلية، اضطراب شبكات الاتصالات والإنترنت، شلل جزئي في المطارات والموانئ واضطرابات أمنية نتيجة ضعف أنظمة المراقبة الإلكترونية.

وفي بيئة كهذه، تصبح الجيوش نفسها تحت ضغط هائل، لأن قدرتها على التنسيق والقيادة تعتمد أيضاً على الشبكات الكهربائية والاتصالية.

هل تستطيع إيران فعلاً “إطفاء المنطقة”؟

من الناحية التقنية، تبدو فكرة إطفاء المنطقة بالكامل خلال ثلاثين دقيقة مبالغة واضحة. فشبكات الطاقة في الشرق الأوسط ليست نظاماً موحداً يمكن تعطيله بضربة واحدة.

لكن ما يقصده لاريجاني على الأرجح ليس انقطاعاً كاملاً شاملاً، بل خلق حالة من الفوضى الكهربائية المتزامنة عبر ضرب أو تعطيل نقاط حساسة في منظومات الطاقة. وقد يشمل ذلك:

استهداف محطات التوليد الكبرى، ضرب محطات التحويل عالية الجهد، هجمات سيبرانية على شبكات التحكم بالطاقة وتعطيل خطوط نقل الطاقة الرئيسية.

وفي ظل الاعتماد الكبير على الأنظمة الرقمية في إدارة شبكات الكهرباء الحديثة، تصبح الهجمات السيبرانية جزءاً لا يتجزأ من هذا السيناريو.

الحرب غير المتكافئة في الظلام

الشق الآخر من تصريح لاريجاني يتعلق بما يمكن وصفه بـ الحرب غير المتكافئة، فإيران، التي تدرك الفارق الكبير في القدرات العسكرية التقليدية بينها وبين الولايات المتحدة، طورت خلال العقود الماضية عقيدة عسكرية تقوم على تعويض هذا الفارق عبر أدوات غير تقليدية.

وتشمل هذه الأدوات: الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة,الشبكات الحليفة في المنطقة, الحرب السيبرانية واستهداف البنية التحتية الحيوية.

وفي حال حدوث انقطاع واسع للكهرباء، فإن البيئة الأمنية قد تصبح أكثر تعقيداً، لأن أنظمة المراقبة والرصد ستتعرض لضغط كبير. وفي مثل هذه الظروف، قد تصبح القوات المنتشرة في قواعد خارجية أكثر عرضة للمخاطر، وهو ما ألمح إليه لاريجاني عندما تحدث عن الجنود الذين “يركضون بحثاً عن الأمان”.

غير أن أخطر ما في هذا السيناريو لا يتعلق فقط بالأمن العسكري، بل بالاقتصاد العالمي. فالخليج ليس مجرد منطقة إقليمية، بل هو الشريان الرئيسي للطاقة في العالم. نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية تمر عبر هذه المنطقة، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا تأثير مباشر على الأسواق الدولية. في حال تحولت المواجهة إلى حرب تستهدف البنية التحتية للطاقة، فإن النتائج الاقتصادية قد تكون فورية: من ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز إلى اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، موجة تضخم جديدة في الاقتصاد العالمي وتباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي.

وقد شهد العالم لمحات من هذه التأثيرات خلال أزمات سابقة، مثل الهجمات التي تعرضت لها منشآت النفط في السعودية عام 2019، والتي أدت إلى اضطراب مؤقت في أسواق الطاقة العالمية.

الطاقة كسلاح ردع

من هنا يمكن فهم تصريح لاريجاني في إطار سياسة الردع أكثر منه إعلاناً لخطة عسكرية محددة. الرسالة الأساسية التي تحاول طهران إيصالها هي أن استهداف بنيتها التحتية للطاقة لن يكون عملاً بلا تكلفة، بل سيقود إلى ردود فعل قد تطال البنية الطاقوية في المنطقة بأكملها.

وبهذا المعنى، فإن الكهرباء تتحول إلى أداة ردع، تماماً كما كانت الصواريخ أو الأسلحة التقليدية في الماضي. هذه المعادلة تقوم على مبدأ بسيط: إذا تحولت الحرب إلى حرب طاقة، فإن الجميع سيكون خاسراً.

التحولات الجارية في طبيعة الحروب تشير إلى أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من الصراعات، حيث لم تعد خطوط المواجهة مقتصرة على الجبهات العسكرية التقليدية. فالبنية التحتية للطاقة والاتصالات أصبحت أهدافاً استراتيجية بحد ذاتها.

وفي منطقة تعتمد بشكل كبير على الأنظمة المركزية في إدارة الطاقة والمياه، فإن أي اضطراب واسع قد يقود إلى تأثيرات اجتماعية واقتصادية عميقة خلال وقت قصير.

تصريح لاريجاني لا ينبغي قراءته بوصفه مجرد تهديد عابر في سياق التوتر السياسي. بل هو إشارة واضحة إلى طبيعة الصراع الذي قد يتشكل في حال انزلقت المنطقة إلى مواجهة مفتوحة بين ايران والولايات المتحدة واسرائيل.

ففي عالم اليوم، لم تعد الحروب تقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على تعطيل منظومات الحياة الحديثة. ومن هذا المنظور، فإن أخطر سيناريو محتمل في الشرق الأوسط ليس حرباً تقليدية، بل حرب تستهدف الطاقة نفسها.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن تداعياته لن تبقى داخل حدود المنطقة، بل ستصل بسرعة إلى الاقتصاد العالمي بأسره. بكلمات أخرى، إذا تحولت الحرب إلى حرب كهرباء وطاقة، فإن الظلام الذي تحدث عنه لاريجاني قد لا يكون مجرد استعارة سياسية، بل وصفاً دقيقاً لمرحلة اضطراب قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد بكثير من الشرق الأوسط.

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!