الوضع المظلم
الخميس ٢٣ / أبريل / ٢٠٢٦
Logo
  • سوريا على حافة المجاعة 

  • سياسات حكومية تزيد من معاناة الشعب 
سوريا على حافة المجاعة 
عبد الرحمن حبش

بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الصراع الدموي، يقف الشعب السوري اليوم أمام مفارقة قاسية تضحيات هائلة قدمت باسم الحرية والكرامة، لكن الواقع المعيشي يزداد تدهوراً إلى مستويات غير مسبوقة. لقد خرج السوريون في بداية الحراك مطالبين بإسقاط منظومة الاستبداد وبناء دولة العدالة والقانون، وتحملوا في سبيل ذلك القتل والتهجير وفقدان الأحبة وتدمير المدن والقرى. غير أن ما تشهده سورية  اليوم يطرح تساؤلات عميقة حول مآلات تلك التضحيات، وحول طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلتها سوريا.


مع التغيرات التي شهدتها بنية السلطة، واستلام قوى جديدة لمفاصل الإدارة، استقبل جزء من الشارع السوري هذه التحولات بشيء من الأمل، على أمل أن تكون بداية لمرحلة مختلفة تُعيد الاعتبار للإنسان السوري. لكن هذا الأمل سرعان ما بدأ يتآكل أمام واقع اقتصادي خانق، وانهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية، وغياب واضح لمرجعية قانونية موحدة تضبط أداء القوى المسيطرة على الأرض.


اليوم، تبدو معاناة السوريين أقرب إلى نماذج دول منكوبة مثل السودان أو أفغانستان، حيث الفقر يتسع، والبطالة تضرب فئة الشباب بشكل خاص، وانعدام الأمن الاقتصادي يهدد الاستقرار الاجتماعي. المواطن السوري لم يعد قادراً على تأمين أبسط احتياجاته اليومية، من الغذاء إلى الدواء، في ظل ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وتراجع القدرة الشرائية إلى أدنى مستوياتها. حتى ربطة الخبز، التي كانت رمزاً للحد الأدنى من الكرامة المعيشية، باتت عبئاً يومياً يثقل كاهل العائلات.


الأزمة لا تقف عند حدود الاقتصاد، بل تمتد إلى بنية الدولة نفسها. إذ تشهد المؤسسات الخدمية، من مشافٍ حكومية إلى قطاعات الكهرباء والاتصالات، تحولات خطيرة باتجاه الخصخصة غير المنظمة، وبتكاليف تفوق قدرة المواطنين. هذا التحول، بدلاً من أن يخفف العبء عن الدولة، زاد من معاناة الفئات الفقيرة، التي تجد نفسها خارج أي مظلة حماية اجتماعية أو صحية. الموظف الحكومي، الذي يفترض أن يكون جزءاً من الطبقة الوسطى، لم يعد راتبه يكفي لتغطية تكاليف زيارة طبيب، فكيف له أن يؤمن احتياجات أسرته الأساسية؟

في موازاة ذلك، يتعمق الإشكال الأمني والقانوني، حيث تفرض الفصائل المسلحة سيطرتها على مناطق مختلفة، كل وفق رؤيته وأجندته، دون وجود منظومة قضائية موحدة أو مرجعية قانونية عليا. هذا الواقع يخلق حالة من الفوضى، ويقوض مفهوم الدولة، ويضعف ثقة المواطن بأي سلطة قائمة. العدالة، التي كانت أحد أبرز شعارات الثورة، تبدو اليوم غائبة أو انتقائية، ما يزيد من شعور الظلم والإحباط لدى الناس.

الأخطر من ذلك هو اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع. فبينما يعيش المواطن تفاصيل المعاناة اليومية، تبدو الحكومة وكأنها في مسار منفصل، تصدر قرارات اقتصادية وإدارية قاسية دون مراعاة الواقع المعيشي المنهك. هذه القطيعة تعزز الشعور بأن تضحيات السوريين لم تترجم إلى سياسات تحميهم أو تحسن حياتهم، بل ربما أدت إلى واقع أكثر تعقيداً من السابق.

إن استمرار هذا النهج يحمل في طياته مخاطر جدية على الاستقرار الهش أصلاً. فالجوع والفقر ليسا مجرد أزمات اقتصادية، بل عوامل تفجير اجتماعي قد تعيد إنتاج الفوضى بشكل أكثر عنفاً. كما أن غياب العدالة وتكافؤ الفرص يدفع الشباب نحو خيارات خطرة، سواء الهجرة غير الشرعية أو الانخراط في مسارات غير قانونية.


ما يحتاجه السوريون اليوم ليس مجرد تغير في الوجوه أو الشعارات، بل إعادة بناء حقيقية لمفهوم الدولة. دولة قادرة على حماية مواطنيها، وتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، وفرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء. المطلوب هو سياسات اقتصادية تراعي الفئات الهشة، وإيقاف الانفلات في خصخصة القطاعات الحيوية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات العامة كركيزة للخدمة الاجتماعية، لا كمصدر للربح.


لقد دفع الشعب السوري ثمناً باهظاً من أجل حريته، ومن غير المقبول أن تتحول تلك التضحيات إلى واقع أشد قسوة. إن المرحلة الحالية تضع الحكومة الانتقالية أمام اختبار حقيقي. إما أن تنجح في الانحياز لمطالب المواطنين وتحقيق الحد الأدنى من العدالة والعيش الكريم، أو أن تواجه نتائج وخيمة قد تعيد البلاد إلى دوامة جديدة من عدم الاستقرار.


في النهاية، تبقى الحقيقة الأبرز أن الشعوب التي ثارت من أجل الكرامة لا يمكن أن تقبل طويلاً بالعيش في ظل الجوع واللاعدالة، وأن أي سلطة لا تضع معاناة المواطنين في صلب أولوياتها، إنما تؤسس لفشلها بيدها.

عبد الرحمن حبش سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا البارتي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!