-
من زاهدان إلى إعلان الحكومة المؤقتة: معركة الشرعية النهائية ضد نظام الملالي
-
الانتفاضة كمدخل للبديل السياسي
في مشهد يتكرر كل جمعة في مدينة زاهدان، تواصل وحدات المقاومة المرتبطة بـ منظمة مجاهدي خلق الإيرانية تحديها العلني لبنية الحكم القائم. غير أن دلالة هذه التحركات لم تعد تقتصر على الاحتجاج الرمزي؛ بل باتت جزءاً من سياق أوسع يتمثل في إعلان المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية تشكيل حكومة مؤقتة للجمهورية الديمقراطية في إيران.
الترابط بين الشارع والإطار السياسي المقترح ليس عرضياً. فالحكومة المؤقتة تُقدَّم بوصفها الترجمة المؤسسية لخطاب "لا للشاه ولا للملالي"، أي رفض ثنائية الاستبداد الديني والاستبداد الوراثي معاً. بهذا المعنى، تحاول المقاومة تحويل الطاقة الاحتجاجية إلى مشروع انتقال منظم، يضع نهاية قانونية وسياسية لنظام ولاية الفقيه.
رسم الخط الأحمر: إسقاط مزدوج للشرعيات الزائفة
الشعارات التي رفعتها وحدات المقاومة في زاهدان – "لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي" – تمثل إعادة تعريف لمفهوم الوطنية. فالمعيار، وفق هذا الخطاب، ليس الانتماء التاريخي أو الشعارات الشعبوية، بل الموقف من الديكتاتورية أياً كان شكلها.
هذا التموضع يقطع الطريق على محاولات بعض أوساط النظام السابق إعادة تدوير نفسها كبديل جاهز، كما يوجّه ضربة سياسية مزدوجة للنظام الحالي الذي طالما استخدم فزاعة "العودة إلى الشاه" لتبرير قبضته الأمنية. عملياً، تسحب المقاومة من نظام الملالي أحد أهم أدواته الدعائية: الادعاء بأنه الخيار الوحيد لمنع عودة الماضي.
رسالة مريم رجوي: إدارة المواجهة والانضباط الاستراتيجي
في رسالتها حول مرحلة نقل السلطة إلى الشعب الإيراني، شددت السيدة مريم رجوي على حماية المدنيين، والحفاظ على الممتلكات العامة، وممارسة أقصى درجات الانضباط الثوري. هذه التوجيهات تعكس إدراكاً بأن أي انزلاق نحو الفوضى سيمنح النظام ذريعة لإعادة إنتاج القمع تحت شعار "حماية الأمن".
الأهم أن رجوي أكدت أن الحل النهائي يكمن في إسقاط النظام عبر الشعب والمقاومة المنظمة، وليس عبر تدخل خارجي أو تسويات فوقية. هذه المقاربة تعيد صياغة الصراع باعتباره صراعاً على السيادة الوطنية، لا مجرد تنازع على السلطة. كما أنها تضع الأساس النظري للحكومة المؤقتة بوصفها أداة انتقال لا غاية في ذاتها.
الحكومة المؤقتة: من الاحتجاج إلى هندسة الدولة
إعلان الحكومة المؤقتة، المستند إلى خطة النقاط العشر، يمثل محاولة واضحة لسد الفراغ الذي طالما استغله النظام في التشكيك بوجود بديل. الخطة تتضمن مبادئ الجمهورية التعددية، وفصل الدين عن الدولة، وإلغاء عقوبة الإعدام، والمساواة بين الجنسين، واستقلال القضاء، وضمان حقوق القوميات، إضافة إلى الالتزام بإقامة إيران غير نووية.
في بيئة إقليمية مشحونة بسبب البرنامجين النووي والصاروخي للنظام، يكتسب بند "إيران غير نووية" أهمية استراتيجية مضاعفة. فهو لا يخاطب الداخل فحسب، بل يوجه رسالة للخارج بأن البديل الديمقراطي لن يشكل تهديداً للأمن الإقليمي، بل شريكاً محتملاً في الاستقرار.
التصعيد في زاهدان: دلالة المكان والزمان
زاهدان، التي تحولت إلى بؤرة احتجاج مستمر، تعكس عمق الأزمة في الأطراف المهمشة من البلاد. استمرار النشاط العلني لوحدات المقاومة هناك يرسل إشارة بأن قبضة النظام الأمنية لم تعد كافية لإخماد جذوة المعارضة. اللافتات التي خاطبت رأس النظام مباشرة، والدعوة الصريحة لانحياز عناصر الجيش إلى الشعب، تمثل تصعيداً سياسياً محسوباً يهدف إلى تفكيك احتكار النظام للعنف المنظم.
هذا التطور يضع المؤسسة العسكرية أمام معادلة صعبة: الاستمرار في حماية نظام تتآكل شرعيته، أو إعادة تموضعها في لحظة تحول تاريخي.
اختبار المرحلة: بين التآكل والبناء
إن الجمع بين الانتفاضة الميدانية وإعلان الحكومة المؤقتة يخلق دينامية جديدة في الصراع الإيراني. لم يعد المشهد مجرد احتجاجات متفرقة، بل صراع بين نظام فاقد للشرعية وبديل سياسي يسعى إلى تنظيم الانتقال.
بالنسبة لنظام الملالي، الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الشارع، بل في ظهور إطار سياسي قادر على ملء الفراغ. أما بالنسبة للمقاومة، فالتحدي يتمثل في تحويل الخطاب إلى واقع مؤسسي قابل للتنفيذ، وكسب اعتراف داخلي وخارجي متدرج.
في المحصلة، تشير المعطيات إلى أن إيران تدخل مرحلة إعادة تعريف شاملة لشرعيتها السياسية. وبينما يراهن النظام على القمع وإدارة الأزمات، تراهن المقاومة على تنظيم الانتقال. وفي هذا التباين تتحدد ملامح المعركة المقبلة: معركة على مستقبل الدولة، لا على بقائها فحسب.
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

