الوضع المظلم
الأربعاء ٢٥ / مارس / ٢٠٢٦
Logo
  • ​فخ تغيير الملامح: من تقية الأسد الأب إلى رماد الملالي

​فخ تغيير الملامح: من تقية الأسد الأب إلى رماد الملالي
أسامة أحمد نزار صالح 

​النظام السوري البائد أرسى قواعده فوق رمالٍ متحركة، واقتات دوماً على فتيل الأزمات، أما النظام الإيراني فقد وُلد وفي فمه "غصة الترقب"، وكأن كلاهما قد اختار العيش على فوهة البركان كاستراتيجية لإدارة البقاء.

​ولدت "سوريا الأسد" عقب انقلاب الأسد الأب عام 1970؛ كانت أهداف الميلاد المعلنة هي إنهاء العزلة الدولية، وتأسيس مؤسسات ديمقراطية، وتخفيف القيود الاقتصادية، والتحضير لمعركةٍ مع الدولة العبرية. لكن الأسد الأب قاد تغييرات جذرية في بنية الدولة، بدأت بمركزة السلطة في يده، وإغلاق الفضاء السياسي، وتكريس شعار "الأسد إلى الأبد"، ولضمان ذلك شيد شبكةً من الفروع الأمنية الفولاذية.

​أدرك الأسد الأب أن السلطة في الإقليم لا تستقيم إلا بقاموس الأغلبية العربية السنية؛ فبنى نظامه كقلعةٍ باطنية مغلقة، ممارساً ببراعة "التقية السياسية". وبينما كان يُصدّر للشارع خطاباً عروبياً ويدعم حرية العبادة، كان يجيد "لعبة حافة الهاوية" مع إسرائيل، ويمسك عصا الفوضى من المنتصف، ليحول دمشق -ومن ثم بيروت- إلى رئةٍ لمشاريع خارجية، أهمها "تصدير الثورة الإيرانية"، فيضبط إيقاعها مقابل إطلاق يده في الداخل السوري واللبناني، حاصداً ثمار دوره كمهندسٍ لأمن حدود الدولة العبرية. باختصار، كانت العروبة والحرية الدينية مجرد حبرٍ على عقود بيع المنطقة للمشروع الإيراني وحماية حدود الدولة العبرية.

​حصد الأسد الأب ثمار تقيته فمات على عرشه، وبين أركان دولته التي استثمر فيها بجمر القلق؛ فأمّن الوريث ورقد في ضريحه كرمزٍ لسلطة رجلٍ واحد. لكنه، وهو يخطط لما بعد الموت، ارتكب خطأه الوحيد؛ فقد اختار -أو اختار له القدر بعد موت باسل- أن يكون إرثه بيد "بشار" الذي لم يتقن يوماً فن المشي على الحبال. نجاح التوريث أعطى الأسد الثاني جرعةً زائدة من الغرور وشراهةً في الطموح، فارتمى في الحضن الإيراني، وفكك صمامات الأمان التي شيدها الأب طوال ثلاثين عاماً. وقع الابن في فخ "تغيير ملامح سوريا"، واختار الجواب النهائي في "نادي الديكتاتوريين المخلوعين" في موسكو، مبتعداً عن خيارات القصر أو القبر.

​أما إيران الملالي، فقد ولدت عقب ثورة 1979 لا كدولة طبيعية، بل كزلزالٍ جيوسياسي يبحث عن تصدير الثورة برغبةٍ جامحة في تحطيم الحدود، عبر المزج بين المظلومية التاريخية والطموح الإمبراطوري المتشح بعباءة الدين. ومن شعارات "طرد الشيطان الأكبر" والقضاء على إسرائيل، بدأ المرشد الأول رحلة تغيير الملامح باستنزاف العراق، وبمساعدة الأسد الأب الذي لم يخفِ تصفية حساباته مع الأكثرية السنية، أسست طهران مخافرها في لبنان. ومع سقوط بغداد عام 2003، وجد الجنرال سليماني -بمباركة المرشد الثاني- الطريق ممهداً لإعادة هندسة المنطقة، مراهناً باحتلال ورهن عواصم عربية (بغداد، بيروت، دمشق، صنعاء) لقرار ومصالح طهران، لتُطبق الكماشة على دول الاعتدال العربي والخليج.

​لم يفهم المرشد الثاني أن مقتل سليماني بقرار ترامب كان إشارةً بأن "تغيير الملامح" ليس شيكاً على بياض؛ فاختار "الخيار الشمشومي" ودفع بمقامرة "طوفان السنوار" لتأجيل الحساب، ظاناً أن إشعال الساحات سيحمي طهران. لكنه أغفل أن عودة ترامب تعني نهاية زمن "المسايرة" وبداية زمن "الحسم". ألحق نتنياهو نصر الله والسنوار بسليماني، وطار الأسد الابن هارباً إلى موسكو، وجلس "الشرع" على كرسي الأسدين في دمشق، وانفرط عقد الممانعة.

​تمسك المرشد الثاني بأوهام التوسع رغم خسارته في "حرب الاثني عشر يوماً"، وقرر إدارة مشروعٍ تدميري وهو يفاوض واشنطن، فكانت القشة التي قضت عليه. سقط في فخ تغيير الملامح ليلحق باليوم الأول من بداية الحرب الدائرة اليوم، بجنرالات وعلماء حصدتهم الصواريخ، في مشهدٍ لا يزال ينزف بالاغتيالات.

​اليوم، يجد المرشد الثالث، خامنئي الابن، نفسه أمام "تَرِكة محترقة"؛ فهو لا يدير مشهداً بقدر ما يحاول النجاة من إعصاره. أمام هذا الانسداد التاريخي، يقف "الوريث المصاب" بين خيارين كلاهما انتحار: إما "خيار شمشون" في معركةٍ خاسرة تحرق إيران والمنطقة، أو محاولة استنساخ "التقية السياسية للأسد الأب" عبر الانكفاء التكتيكي، وفهم أن تفويض تغيير الملامح قد أُوكِل فعلياً لإسرائيل. لكن المعضلة أن "سقوط نظامه" بات جزءاً من هذا التغيير.

​في نهاية المطاف، لن يكون "المرشد المصاب" مهندساً للملامح، بل شاهداً على احتراق الخريطة التي رسمها سلفاه بدم الآخرين.

ليفانت: د. أسامة أحمد نزار صالح

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!