-
إعادة هندسة الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط
لم يكن يوم الثامن والعشرين من فبراير 2026 مجرد ليلة عسكرية عابرة في ذاكرة الصراعات، بل كان اعلان عن سقوط "ستار حديدي" اخر فوق خارطة الشرق الأوسط، معلناً نهاية حقبة وبداية أخرى غير واضحة الملامح ببزوغ العملية المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل بأسم "الغضب الملحمي"، والتي استهدفت العمق العسكري الإيراني، حيث لم تكن مجرد "ضربة استباقية" بمفهومها التقليدي، بل محاولة معقدة وعنيفة لتفكيك أحد أكثر الأنظمة السلطوية تعقيداً في تاريخ المنطقة وإعادة هندسة ورسم موازين القوى في الإقليم
ومع تأكيد وكالة رويتر لمقتل المرشد الأعلى على خامنئي في عملية إسرائيلية امريكية دقيقة، ازدادت الأوضاع غموضاً، وسط تساؤلات تطرح نفسها حول "إيران القادمة ومن يقودها" بعد هذا المخاض العسير الذي استمر لمدة 40 عام من سطوة هذا النظام الذي تأسس على أيدلوجية دينية وعقيدة سياسية ثورية مبنية على قومية إيرانية ، والحقيقة بأن انعكاسات المشهد الحالي تلقي بظلالها على إعادة تموضع القوى العظمى في الإقليم والجغرافي السياسية بداء من القوقاز
والبحر الأسود ووصولاً إلى مضيق هرمز لتلامس ايضاً العمق الاستراتيجي لروسيا والصين؛ فبالنسبة لموسكو، يمثل انهيار النظام الإيراني فقدان الشريك الذي كان يوفر توازناً مهماً ويشغل القدرات الغربية، مما يهدد أمنها في القوقاز و"حديقتها الخلفية" في البحر الاسود. أما بكين، فتواجه تهديداً لمصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة العالمي حيث وصفت الخارجية الصينية ما يحدث بأنه "مقامرة متهورة". لذا فأننا قد نكون امام مشهد مشابه لما قامت به امريكا في فنزويلا ولكن بتفاصيل اكثر حدة؛ حيث تهدف استراتيجية "الرأس المقطوع" هذه المره وتلك الجراحة العسكرية إلى تحويل إيران إلى دولة عصرية في سياستها وعلاقاتها ككيان غني بالموارد ومستقر سياسيا واقتصاديا
ومحكوم بإدارة من التكنوقراط والمستقلين والمتصالحين مع محيطهم الإقليمي والدولي وبما لا يمثل خطر على إسرائيل الحليف الامريكي وتفوقها العسكري بالمنطقة أيضاً وبالتالي انهاء عقودا من العداء الأيديولوجي، على اعتبار أن غياب راس الهرم السياسي سيؤدي تلقائياً إلى انهيار أسس بناء هذا الكيان إلا أن هذا التقديرات قد ينظر لها بعض المراقبون الغربيون بأنه قد لا تكون خاضعه لخطه ترامبية واضحة المعالم على الارض، كما نقلت "وول ستريت جورنال"، ان ذلك قد يتسم بتفاؤل مفرط يتجاهل الطبيعة الإيدلوجية للحرس الثوري؛ العنيفة مما قد يفتح امامنا عدة سيناريوهات لهذا المشهد فإما نظام يقوده جنرالات الحرس الثوري من الصف الثاني لإدارة الأزمة بقبضة أمنية وحشية، أو "ديمقراطية هشة" ترعاها القوى الغربية وتواجه صراعات شرعية دامية في الداخل الايراني
أو السيناريو الأكثر قتامة وهو صراع وصدام بين اركان النظام السابق في ظل غياب وجود دماء جديدة تأخذ زمام مبادرة التغيير مما قد يؤدي الى "تفتت الدولة" إلى أقاليم عرقية متناحرة، مما قد يحول الهضبة الإيرانية إلى بؤرة فوضى شاملة. ووسط ما يعيشه الشارع الإيراني من حالة الصدمة الممزوجة بالترقب؛ يخشى المحافظون زوال الهوية الثورية، تبرز ملامح انتفاضة مدنية تطمح لإنهاء عقود من العزلة، مما قد يدفع نحو تشكيل "حكومة إنقاذ وطني" تضم تكنوقراطاً ومعارضين، بشرط قدرتها على لجم نفوذ السلاح المنفلت. لذا لابد من فهماً عميق لتأثير المشهد وعلاقته بصانع القرار في واشنطن ايضاً، حيث يتأهب الكونجرس المنقسم لمواجهة ارتدادات هذه الحرب فبينما يسعى الجمهوريون لتمرير
حزمة تمويل تحت بند "استكمال النصر"، يحذر الديمقراطيون من الانزلاق إلى "حرب أبدية" جديدة بلا استراتيجية خروج او خطة حاليه يقود به ترامب هذا الصراع. وفي الداخل الإسرائيلي، هناك انقسام حاد في الموقف رصدته صحيفة "هآرتس" ففي حين تحتفي الحكومة بـ "الخلاص من التهديد الوجودي"، تسود حالة من الرعب في الشارع مع اكتظاظ الملاجئ، خوفاً من الضربات التي بدأت تشنها أذرع إيران، وتحديداً حزب الله اللبناني في تحدي صريح لسيادة وسلطة الدولة اللبنانية، وترقب وصمت الحوثيين ومناورات الفصائل العراقية الموالية لي ايران واستمرار استهدافات المسيرات والصواريخ للجيران الخليجيين بين الحين والاخر والرغبة بكبح جماح انزلاق المنطقة الى حرب شاملة ومفتوحة بسبب عدم احترام سيادة تلك الدول واحترام مبادئ حسن الجوار من ايران وتوقع ردة فعل خليجية عسكرية في أي لحظة كنتيجة
لما تقوم به ايران من انتهاكات جسيمة علي سيادة تلك الدول في ظل درجات خليجية كبيرة من ضبط النفس تجاه طهران وربما ان "الحلول الدبلوماسية" هو طوق النجاة الأخير والذي قد ينقذ المنطقة من اي خسائر ممكنة ولكن اين ستكون ولمن المبادرة ؟ إيران او روسيا او الصين او عمان من صاحب زمام المبادرة "لهدنة تقنية" تسمح بنقل سلمي للسلطة مقابل ضمانات دولية مثلاً؟ والى ان تأتي الا اجابة فعلا ستمضي واشنطن في كتابة نهاية هذا المشهد بطريقتها بعد
ان نجحت في تحييد راس النظام. ان نهاية هذه الحرب قد يجعلنا نتأرجح بين مفهوم "انهيار الدولة الشامل" أو "حرب استنزاف طويلة"؛ برغم ان موازين القوي قد تميل للمحور الأمريكي الإسرائيلي، لكن النصر العسكري لا يضمن أبداً الاستقرار السياسي. فالمنطقة برمتها تسير فوق حقل ألغام جيوسياسي، ولم يعد السؤال اليوم "من سينتصر؟"، بل "ما هو ثمن التغيير العنيف، وماذا سيبقى من النظام العالمي بعد انقشاع غبار هذه المعركة.
ليفانت: سعد عبدالله الحامد
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

