-
السلام المستحيل: لماذا يكشف الجدل حول التفاوض مع طهران حدود الدبلوماسية وصعود خيار التغيير الداخلي
أولاً: تفكك فرضية "السلام عبر التفاوض"
تعكس التصريحات الأخيرة الصادرة في مقابلة شبكة نيوز ماكس تحولًا لافتًا في النقاش الدولي حول إيران، حيث تتآكل تدريجيًا فرضية أن الدبلوماسية التقليدية قادرة على إنتاج سلام مستدام مع نظام قائم على التوسع الأيديولوجي واستخدام أدوات عدم الاستقرار الإقليمي.
إن النقاش لم يعد يدور حول شروط اتفاق نووي جديد، بل حول مدى قابلية النظام ذاته للالتزام بأي تعهدات. هذه النقلة المفاهيمية تعكس إدراكًا متزايدًا بأن المشكلة ليست في تفاصيل الاتفاق، بل في طبيعة النظام الذي يوقّع عليه.
ثانياً: موقف المقاومة – ترحيب تكتيكي ورفض استراتيجي
في هذا السياق، يطرح علي رضا جعفرزاده موقفًا مركبًا يجمع بين البراغماتية التكتيكية والحسم الاستراتيجي. فمن جهة، يرحب بأي جهد يؤدي إلى إنهاء الحرب ووقف البرامج النووية والصاروخية بشكل عملي، ومن جهة أخرى يؤكد أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل بقاء النظام.
هذا الطرح يعكس رؤية تعتبر أن أي تهدئة عسكرية قد توفر نافذة زمنية لإعادة تنظيم الداخل الإيراني، لكنها لا تمثل حلًا نهائيًا. فالمعادلة، وفق هذا المنظور، تقوم على أن وقف الحرب ليس نهاية الأزمة، بل إعادة تموضع ضمن صراع أعمق يتعلق بطبيعة السلطة في طهران.
ثالثاً: إسقاط النظام كشرط للاستقرار
يرتكز التحليل الذي تقدمه أوساط المقاومة على فرضية مركزية مفادها أن مصدر عدم الاستقرار الإقليمي ليس سياسات بعينها، بل البنية الأيديولوجية للنظام نفسه. وعليه، فإن أي محاولة لتحقيق الاستقرار دون معالجة هذا العامل البنيوي ستبقى قاصرة ومؤقتة.
ويشدد جعفرزاده على أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يجب أن يكون نتاج حراك داخلي تقوده قوى منظمة. هذا الطرح يعيد تعريف مفهوم "الحل"، من كونه تسوية دولية إلى كونه عملية تحول داخلي تقود إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس ديمقراطية.
رابعاً: فشل الرهان على الوعود النووية
من جانبه، يقدم مايك بيكر، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، تقييمًا حادًا لفكرة الوثوق بتعهدات النظام الإيراني. إذ يرى أن الحديث عن وقف تخصيب اليورانيوم مقابل تهدئة عسكرية يندرج ضمن نمط متكرر من المناورات السياسية التي تهدف إلى كسب الوقت، لا إلى تغيير السلوك.
هذا التقييم يستند إلى سجل طويل من الازدواجية والتكتيك المرحلي في تعامل طهران مع المجتمع الدولي، ما يجعل أي اتفاق جديد عرضة لأن يكون أداة لإدارة الأزمة، لا لحلها. وبذلك، تتحول الدبلوماسية إلى آلية تأجيل بدلاً من كونها مسارًا للحسم.
خامساً: مأزق السياسة الدولية – بين الحرب والاسترضاء
تكشف هذه المواقف عن مأزق استراتيجي تواجهه القوى الدولية، يتمثل في محدودية خيارين تقليديين: التدخل العسكري وسياسة الاسترضاء. فكلا الخيارين أثبت عجزه عن إحداث تغيير جذري في سلوك النظام.
في هذا السياق، يبرز ما يُعرف بـ "الخيار الثالث"، الذي يقوم على دعم التغيير الداخلي دون الانخراط في حرب مباشرة أو تقديم تنازلات سياسية. هذا الخيار يعكس محاولة لإعادة صياغة السياسة الدولية تجاه إيران، من إدارة التهديد إلى معالجة مصدره.
سادساً: ديناميات الداخل كعامل حاسم
يشير التحليل إلى أن أي تحول حقيقي في إيران سيعتمد على توازن القوى داخل المجتمع الإيراني، وليس على الضغوط الخارجية وحدها. فوجود حركة منظمة قادرة على استثمار لحظات الانفراج أو التهدئة يمنح الداخل الإيراني دورًا حاسمًا في تحديد المسار المستقبلي.
وفي هذا الإطار، تصبح نهاية الحرب – إن تحققت – عاملاً مزدوج التأثير: فهي من جهة تخفف الضغط الخارجي، ومن جهة أخرى قد تفتح المجال أمام تصعيد المواجهة الداخلية بين المجتمع والنظام.
سابعاً: نحو إعادة تعريف مفهوم السلام
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن مفهوم السلام في الحالة الإيرانية يتجاوز مجرد وقف العمليات العسكرية، ليشمل إعادة تشكيل النظام السياسي نفسه. فغياب هذا التحول يجعل أي تهدئة عرضة للانهيار، ويُبقي المنطقة في حالة عدم استقرار مزمن.
إن الطرح الذي يتبناه كل من جعفرزاده وبيكر، رغم اختلاف منطلقاتهما، يلتقي عند نقطة جوهرية: استحالة بناء سلام مستدام مع نظام يقوم على إنتاج الأزمات.
خلاصة استراتيجية
تكشف هذه القراءة أن النقاش حول إيران دخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها السؤال هو كيف نتفاوض مع النظام، بل هل يمكن أصلًا بناء استقرار في ظل استمراره. وفي ظل تآكل الثقة الدولية وتصاعد دور الفاعلين الداخليين، يبدو أن المسار الأكثر ترجيحًا هو انتقال تدريجي نحو مقاربة تركز على التغيير من الداخل.
وبذلك، يصبح "السلام" في الحالة الإيرانية مرهونًا ليس بالاتفاقيات، بل بـ تحول بنيوي ينهي نظامًا أثبت أنه غير قابل للإصلاح، ويفتح المجال أمام إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة تمامًا.
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

