الوضع المظلم
السبت ٠٤ / أبريل / ٢٠٢٦
Logo
  • انقطاع الإنترنت في إيران يدخل يومه الـ35 وسط أزمة اقتصادية متفاقمة

انقطاع الإنترنت في إيران يدخل يومه الـ35 وسط أزمة اقتصادية متفاقمة
سعيد عابد

رغم استمرار الحرب والضغوط العسكرية الخارجية، دخل انقطاع الإنترنت الشامل في إيران يومه الخامس والثلاثين على التوالي، أي ما يعادل "840 ساعة" من العزل الرقمي شبه الكامل، في سابقة هي الأطول من نوعها في تاريخ البلاد الحديث. ويثير هذا الانقطاع المستمر مخاوف متزايدة من تداعيات اقتصادية واجتماعية باتت تضرب قطاعات واسعة من المجتمع، في لحظة يتقاطع فيها القصف الخارجي مع الاختناق الداخلي.

وبحسب معطيات الجهات المتخصصة في مراقبة الشبكة، فإن هذا الإغلاق تجاوز بكثير الانقطاعات السابقة التي فرضها النظام في محطات الاحتجاج أو الأزمات الأمنية، ما يعني أن ما يجري اليوم لم يعد مجرد "إجراء استثنائي"، بل تحول إلى جزء من إدارة الأزمة عبر التحكم الكامل بالمجال العام، ومنع تدفق المعلومات، وتقييد قدرة المجتمع على التواصل والتنظيم والعمل.

"الإنترنت كسلاح للضبط والسيطرة"

السلطات الإيرانية ما تزال تكتفي بالإشارة إلى "اعتبارات أمنية" لتبرير استمرار الانقطاع، من دون تقديم تفسير واضح للرأي العام حول مدته أو حدوده أو معايير إنهائه. لكن في واقع الأمر، يبدو الإنترنت في إيران اليوم ضحية مزدوجة: ضحية الحرب من جهة، وضحية القرار السياسي من جهة أخرى. فالنظام لا يتعامل مع الشبكة بوصفها خدمة عامة أو بنية تحتية اقتصادية، بل بوصفها مجالاً ينبغي إخضاعه كلما شعر بأن التوتر الأمني أو السياسي يقترب من لحظة حساسة.

ولذلك، فإن انقطاع الإنترنت لا يقتصر أثره على إبطاء الاتصال أو تعطيل منصات التواصل، بل يمتد إلى شل جزء مهم من دورة الحياة اليومية: المدفوعات، التجارة الإلكترونية، سلاسل التوريد، إدارة الأعمال، التعليم، الخدمات، وحتى أشكال التواصل الأسري في زمن الحرب. وهذا ما يجعل الأزمة الرقمية الحالية واحدة من أخطر مظاهر الاختناق الداخلي في البلاد.

"اقتصاد رقمي في مهب الشلل"

خطورة هذا الانقطاع لا تكمن في طوله فقط، بل في توقيته. فإيران لا تواجه اليوم عزلة رقمية منفصلة عن سياقها العام، بل تعيشها وسط حرب وتضخم وتراجع في النشاط الاقتصادي. وقد سبق لمسؤولين في قطاع الاتصالات داخل النظام أن أقروا بأن الاقتصاد الرقمي لا يحتمل انقطاعات طويلة، وأن ملايين الإيرانيين يتأثرون مباشرة أو بصورة غير مباشرة بأي تعطيل واسع للاتصال.

ومع دخول الانقطاع يومه الـ35، تتسع دوائر الضرر لتشمل ليس فقط الشركات العاملة في التكنولوجيا والمنصات الرقمية، بل كذلك الأنشطة التجارية والخدمية التي باتت تعتمد على الإنترنت كجزء من عملياتها الأساسية. ومع لجوء كثير من المواطنين إلى استخدام شبكات افتراضية خاصة "VPN" مرتفعة الكلفة وضعيفة الاستقرار، يتحول الوصول إلى الإنترنت من خدمة عامة إلى امتياز مكلف ومحدود، بما يضاعف الفجوة بين الحاجة والقدرة.

"الحرب والانقطاع... ضغط مضاعف على المجتمع"

الأزمة لا تقف عند حدود الاقتصاد الرقمي. فالتقارير الواردة من قطاعات أخرى، مثل البناء والعمل اليومي، تعكس حالة شلل أوسع. ففي ظل توقف مشاريع، وركود أعمال، وارتفاع تكاليف التأمين والمواد الأساسية، يجد كثير من العمال أنفسهم من دون دخل كافٍ أو شبكة حماية فعلية. وهنا يتداخل أثر الحرب مع أثر الانقطاع: الحرب تضرب المناخ الاقتصادي العام، والانقطاع يعطل ما تبقى من قنوات العمل والإدارة والتكيف.

أما الأجور، فعلى الرغم من الإعلان عن زيادات كبيرة في الحد الأدنى للرواتب، فإن الفجوة تبقى واسعة بين الدخل الفعلي وكلفة المعيشة. فالإيجارات، وأسعار الغذاء، ومستلزمات الحياة الأساسية، تواصل الارتفاع بوتيرة تجعل أي زيادة رسمية تبدو مؤقتة أو غير كافية. وبذلك، لا يعود السؤال فقط: "كم زاد الراتب؟" بل: "كم بقي منه بعد الإيجار والطعام والحد الأدنى من المتطلبات اليومية؟"

"أزمة مركبة لا مجرد عطل تقني"

ما تكشفه هذه اللحظة هو أن إيران تواجه أزمة مركبة: حرب خارجية، قمع داخلي، شلل رقمي، وتدهور اقتصادي متسارع. وفي ظل غياب تخطيط مدني واضح، وضعف إجراءات الحماية الاجتماعية، وانعدام الشفافية الرسمية، يصبح المجتمع الإيراني محاصراً بين السماء والأرض: من جهة الحرب، ومن جهة السياسات التي تدير الأزمة بعقلية الإغلاق والمنع والضبط.

ولهذا، فإن انقطاع الإنترنت في إيران لم يعد مجرد خبر تقني أو تفصيل أمني، بل صار مؤشراً بالغ الدلالة على طبيعة المرحلة: دولة تخوض حرباً، وتغلق على مجتمعها في الوقت نفسه، وتترك ملايين المواطنين يواجهون بمفردهم آثار القصف والتضخم والبطالة والعزلة. وفي هذا المعنى، فإن "840 ساعة" من الصمت الرقمي ليست مجرد مدة زمنية، بل عنوان مكثف لأزمة أعمق تضرب الاستقرار الاقتصادي والتماسك الاجتماعي وسبل عيش ملايين الإيرانيين.

ليفانت: بقلم: سعيد عابد، كاتب إيراني

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!