-
حين تدخل النبوءة غرفة العمليات
كل قراءة لما جرى في الشرق الأوسط خلال العقود الأربعة الماضية من داخل لغة المصالح وحدها تنتهي إلى صورة مبتورة. حسابات النفوذ والطاقة والممرات والقواعد والتحالفات تكشف جانبًا أساسيًا من السلوك الدولي، لكنها تترك خارج التفسير قدرًا حاسمًا من الشحنة العقائدية التي تشبع الخطاب، وتفسر حرارة الانحياز لإسرائيل، وتفسر هذا الإصرار المتكرر على تقديم التدمير في صورة طريق إلى السلام. هنا تظهر الصهيونية المسيحية داخل بنية أوسع من العوامل بوصفها عنصرًا يضيء ما تعجز المقاربات الأداتية الخالصة عن إضاءته. نحن أمام تراكب كثيف بين عقيدة دينية تمنح إسرائيل معنى يتجاوز السياسة اليومية، ومشروع إسرائيلي أعاد تعريف الأمن في اتجاه توسعي، وبنية أميركية وجدت في هذا التيار خزانًا أخلاقيًا وانتخابيًا ولغويًا يضفي على القوة طابعًا رساليًا. وبهذا المعنى يدخل الدين إلى المشهد باعتباره بنية معنى تؤثر في حرارة القرار، وفي اتساع العنف، وفي صورة العدو كما تُصاغ، وفي شكل المستقبل الذي يراد فرضه تحت النار.
الصهيونية المسيحية، في جوهرها الفاعل سياسيًا، تتجاوز حدود التعاطف الديني مع اليهود أو الانحياز المحافظ لإسرائيل بوصفها حليفًا نافعًا. نحن هنا أمام تصور لاهوتي ـ سياسي متجذر داخل قطاعات واسعة من الإنجيليين الأميركيين، يرى في عودة اليهود إلى الأرض، وفي قيام إسرائيل، وفي مركزية القدس، إشارات متصلة بمسار نبوي يفضي إلى نهاية الزمن كما تُقرأ في بعض التفسيرات الإنجيلية لسفر الرؤيا ودانيال. وحين تنتقل هذه الرؤية من الكنائس والمنابر والقاعدة الانتخابية إلى داخل المجال التنفيذي، يتبدل وزنها بالكامل. إنشاء “مكتب الإيمان” داخل البيت الأبيض في فبراير 2025 يكشف أن هذا الحقل تجاوز موقع الخلفية الثقافية للمحافظين، واقترب من أن يكون قناة مؤسسية تمنح الخطاب الديني موضعًا أقرب إلى مركز القرار. ومن هنا تبدأ السياسة بالتكلم بلهجة ترى في إسرائيل أكثر من دولة حليفة، وترى في الصراع حولها أكثر من نزاع جيوسياسي عادي.
حين تُمنح دولة ما مكانة تتجاوز السياسة العادية، تتبدل طبيعة الحرب المتصلة بها من جذورها. الدفاع عنها يتحرك داخل مخيال أوسع من ضرورات الردع البارد، ويأخذ معناه من حماية نظام أخلاقي وتاريخي أكبر. ومن هنا يبدأ تعريف العدو في التحول هو أيضًا. الخصم يغادر صورته السياسية المعتادة، وتتراجع ملامحه بوصفه فاعلًا له مصالح ومخاوف وحدود قابلة للتفاوض، فيما تتقدم صورته كشر ينبغي كسره، أو كعائق يقف في وجه “الخطة”، أو كجسم يفسد مسارًا يُنظر إليه بوصفه أعلى من السياسة. والجغرافيا تدخل التحول نفسه. المنطقة تظهر، في هذا المخيال، على هيئة مسرح اختبار واسع توزَّع فيه الأدوار والكلف: من يصطف، من يعرقل، من يُكسر، ومن يدفع الثمن. ضمن هذا السياق تعمل النبوءة كبنية تفسير تمنح القوة معنى يتجاوز وظيفتها الآنية، وتدفع بالحرب إلى مجال الرسالة التاريخية، بحيث يغدو استخدام القوة جزءًا من قصة أكبر من حدود الأداة العسكرية نفسها.
هذا التكوين العقائدي وجد في الضفة الإسرائيلية تحولًا موازيًا لا يقل أهمية. منذ الثمانينيات ترسخ داخل إسرائيل تصور أمني لم يعد يقف عند حماية الحدود ومنع الاجتياح، بل اتجه إلى معنى أوسع يرى الأمن في القدرة على إعادة تشكيل البيئة المحيطة ومنع قيام أي توازن إقليمي أو عسكري أو مجتمعي يمكن أن يضع سقفًا للحركة الإسرائيلية. عند هذه النقطة خرجت الحرب من معناها الدفاعي الضيق وصارت أداة لإدارة المجال كله. لبنان 1982، ثم العراق 2003، ثم المسارات اللاحقة في سوريا وغزة، وصولًا إلى إيران، لا تُقرأ بوصفها أحداثًا متماثلة، لأن لكل واحدة سياقها وفاعليها وأدواتها، غير أن المسار الأوسع يكشف اتجاهًا بنيويًا واحدًا: ضرب المراكز الثقيلة، توسيع السيولة، منع الاستقرار المستقل، وإبقاء المجال العربي والإسلامي في حالة اهتزاز تتيح لإسرائيل أن تبقى مركز القوة الوحيدة القادرة على فرض الإيقاع. وبهذا المعنى تتحول الحروب إلى أدوات دائمة لإنتاج بيئة لا يسمح لها بأن تتماسك بما يكفي لتفرض حدودًا على المشروع الإسرائيلي.
العراق كان إحدى أكثر المحطات كشفًا لهذا المنطق. ما انهار عام 2003 لم يكن نظام حكم فقط. الذي انكسر كان مركزًا عربيًا ثقيلًا، وتوازنًا إقليميًا، وحاجزًا تاريخيًا كان يمنع انفتاح المشرق على فوضى بهذا الاتساع. الحرب هناك فتحت بنية أعمق من التفكك، ثم تحولت هذه البنية نفسها إلى مادة اشتغال للحرب التالية. ومن هنا تتكون القاعدة المريرة التي لاحقت المنطقة منذ ذلك الوقت: كل حرب تُسوَّق باعتبارها ضرورة لإزالة تهديد، ثم تخلّف فراغًا واختلالًا وتصدعًا أوسع، ثم يعود هذا الاختلال ليغدو ذريعة لتدخل جديد أو لحرب جديدة أو لابتزاز سياسي وأمني جديد. بهذا الإيقاع تكتسب الفوضى وظيفة تتجاوز كونها نتيجة جانبية مؤسفة؛ فهي تصبح الوسط المناسب لإدامة الحركة العسكرية والسياسية وإعادة إنتاجها. المنطقة تخرج من كل جولة أقل تماسكًا، وأضعف قدرة على تنظيم توازنها، وأكثر قابلية لأن تُدار من خارجها بالقوة والابتزاز والخوف.
بعد 11 سبتمبر أضيفت طبقة أشد خطورة إلى هذا المسار. داخل قطاعات من اليمين الأميركي المحافظ والإنجيلي، اتسع تعريف العدو بحيث تجاوز المجموعات المسلحة والأنظمة بعينها، وامتد إلى أجزاء واسعة من المجال الإسلامي بوصفه فضاءً مولدًا للخطر، أو حاضنة حضارية وأخلاقية لمصدر تهديد دائم. هذه الرؤية لم تكن إجماعًا أميركيًا، ولم تستوعب كل الإنجيليين الأميركيين بالطريقة نفسها، لكن البيئة التي أُنتجت فيها الحروب الأميركية في المنطقة كانت مهيأة لتلقي الصراع بصفته أكثر من مسألة أمنية. المنطقة كلها تظهر هنا كفضاء وظائف متفاوتة داخل سردية كبرى: قوى تُسحق، أنظمة يمكن توظيفها، مجتمعات تُحمَّل الكلفة، وأقاليم يُطلب منها التمويل والاستضافة والاصطفاف وامتصاص الارتداد. وهذه النظرة لا تحتاج إلى إعلان صريح عن حرب دينية كي تنتج آثارها. يكفي أن تتحول المنطقة في الوعي السياسي إلى ساحة يعاد فيها توزيع الأدوار وفق قرب كل طرف من “المعسكر الصحيح” أو بعده عنه، حتى يصبح العنف أسهل تبريرًا، وحتى يصبح الإخضاع جزءًا من اللغة اليومية للسياسة.
عند هذه النقطة يظهر ما يمكن وصفه بالغضب الملحمي. المقصود هنا توصيف لنمط من الحرب تُمنح فيه القوة وظيفة تتجاوز الهدف العسكري المباشر. التدمير لا يقتصر على إزالة قدرة الخصم، بل يمتد إلى إذلاله، وإعادة ترتيبه، وتفكيك صورته، وصياغة العالم من بعده على نحو يُقدَّم للداخل الأميركي والإسرائيلي باعتباره أكثر شرعية وأقرب إلى “السلام”. وفي هذا النمط تصبح الكلمات نفسها جزءًا من السلاح. “السلام عبر القوة”، “سحق التهديد”، “إنهاء الشر”، “تغيير الشرق الأوسط”؛ هذه مفاتيح تكشف كيف يراد للحرب أن تُفهم. الخراب يظهر هنا كمرحلة لازمة على طريق عالم يُسوَّق باعتباره أكثر أمنًا وصحة. ومن هنا تدخل النبوءة غرفة العمليات: حين تصبح الحرب في وعي أصحابها أقرب إلى تطهير تاريخي أو إصلاح كوني أو استعادة ميزان أخلاقي مختل، تتحول القوة إلى حامل لمعنى متعالٍ يمنحها حصانة داخلية ويُفقد الخصم كثيرًا من صفته الإنسانية والسياسية.
الخطاب الأميركي الراهن يكشف هذه البنية بقدر كبير من الوضوح. البيت الأبيض لم يكتف بإطلاق الحرب على إيران أو بتبريرها بمفردات الأمن القومي التقليدي، بل قدّمها في صياغات تتجاوز التعليل العسكري البارد إلى قاموس أخلاقي ورسالي مكثف. تسمية إحدى المواد الرسمية بـ“السلام عبر القوة: الرئيس ترامب يطلق عملية الغضب الملحمي لسحق النظام الإيراني وإنهاء التهديد النووي” تكفي وحدها لإظهار مستوى الشحنة الرمزية المقصودة. نحن هنا أمام خطاب يمنح الحرب اسمًا مصممًا لإنتاج أثر عاطفي، ويضع هدفها عند مستوى “سحق النظام”، ويصوغها باعتبارها طريقًا إلى السلام. وحين وصف ترامب الحرب في 1 أبريل 2026 بأنها حملة حاسمة ضد “التهديد الإيراني الشرير”، وأوحى بأن بلاده على وشك إنهاء هذا الخطر ضد أميركا والعالم، كان يعيد تركيب المنطق نفسه: عدو مصاغ كلغز أخلاقي، وحرب تُقدَّم كعمل تطهير، وسلام يولد من تدمير كافٍ يفرض ميزانًا جديدًا. هذه اللغة لا تأتي بعد الحرب لتجميلها، بل تدخل في صلب تعريفها.
وحين نقرأ تصريحات ترامب الأخرى خلال الأسابيع الأخيرة من الحرب، تزداد صورة القوة وضوحًا. حديثه عن القدرة على إنهاء الحرب خلال “أسبوعين أو ثلاثة” يكشف نظرة تحتقر الزمن السياسي الطبيعي، وتتعامل مع المجتمعات والدول وكأن مصائرها قابلة للحسم وفق إيقاع إرادة عسكرية متفوقة. وتهديده بقصف الجسور ومحطات الكهرباء والبنية الأساسية الإيرانية ينقل الحرب من نطاق استهداف القدرة العسكرية إلى نطاق أوسع يتصل بقابلية الدولة للحياة نفسها، أي بالقدرة على العمل والتنقل والإنتاج والاتصال والاحتمال. ثم يأتي الكلام عن السيطرة على مضيق هرمز “مع مزيد من الوقت” ليضع الشرايين الاقتصادية والاستراتيجية داخل المنطق نفسه، فتغدو الحرب ممتدة إلى هندسة الممرات والطاقات والاختناقات التي تؤثر في العالم كله. هذه لغة قوة ترى أن من حقها إعادة تعريف الزمن، والاقتراب من تقرير ما الذي يجب أن يبقى من بنية الخصم، وما الذي يجب أن يُمحى، وأي ممرات يحق لها أن تُفتح وأيها يحق لها أن تُخضع.
في هذه البنية يبرز بيت هيغسيث بوصفه حلقة شديدة الكثافة، لأنه يكشف كيف تقترب اللغة الدينية من المؤسسة العسكرية ذاتها. الأخبار الموثقة عن إدخال خطاب مسيحي صريح إلى داخل البنتاغون، وتنظيم عبادات فيه، واستدعاء المزمور 144 بعد الحرب على إيران، ووصف قادة إيران بأنهم “متعصبون دينيون” يتطلعون إلى “هرمجدون ديني”، تكشف محاولة لتأطير الحرب بلغة تمنحها شرعية أخلاقية تتجاوز حدود النقاش العسكري التقليدي. وحين يضاف إلى ذلك حديثه عن أهداف لم تتغير تشمل تدمير منصات الصواريخ والبنية الدفاعية الإيرانية، مع قوله إن الولايات المتحدة “تتحكم في مصير إيران”، تتكامل الصورة على نحو فادح الوضوح: مخيال ديني يضفي على الحرب معنى أخلاقيًا ورساليًا، وإمبراطورية تتكلم بوصفها صاحبة سلطة تقرير مصير الآخر. وعند هذا الحد نكون أمام نقطة تماس بين المقدس والقوة العارية، بين الصلاة والتدمير، بين المزمور وسلطة الهيمنة على مستقبل شعب ودولة.
في الجانب الإسرائيلي، يذهب نتنياهو أبعد في إدخال النص نفسه إلى مركز الخطاب السياسي. هو يعود إلى الذاكرة التوراتية ليعيد تعريف العدو والتاريخ والجغرافيا من داخلها. حين استدعى رسميًا في 28 أكتوبر 2023 عبارة “اذكر ما فعله بك عماليق”، كان يستدعي في الوعي التوراتي اسمًا مكثفًا لعدو وجودي محمول على ذاكرة الإبادة والاقتلاع والثأر المقدس. استدعاء هذا الرمز يدفع الخصم خارج المجال السياسي إلى المجال الأسطوري ـ الديني، وعند هذه النقطة تضيق مساحة التفاوض والتسوية والاعتراف المتبادل إلى حد كبير، ويصبح الاستئصال أو السحق أو المحو أكثر قابلية للتسويغ، لأن الفعل لم يعد موجّهًا ضد فاعل سياسي فحسب، بل ضد صورة متخيلة للشر التاريخي. هذه من أخطر اللحظات التي يكشفها الخطاب الإسرائيلي المعاصر، لأنها تُظهر كيف يعمل الرمز التوراتي وقودًا سياسيًا للحرب، لا مجرد مرجع ثقافي يطفو على سطحها.
هذه اللغة التوراتية لا تشتغل عند نتنياهو في توصيف العدو فقط، بل تتصل مباشرة بفكرة إعادة تشكيل المجال الإقليمي. حين قال منذ الأيام الأولى إن الحرب “ستغير الشرق الأوسط”، ثم عاد في تصريحات وبيانات لاحقة ليؤكد أنه يغير “وجه الشرق الأوسط” ويعيد تعريف “المفهوم الأمني” معًا، كان يعلن تصورًا متماسكًا يرى في الحرب وسيلة لإنتاج إقليم جديد. ومن هنا يكتسب قوله في 7 مارس 2026 إن تفكيك حزب الله مرتبط بالحملة الشاملة ضد إيران دلالته الكاملة. الجبهات هنا متصلة داخل عقل واحد. غزة ولبنان وإيران تظهر بوصفها دوائر ضمن عملية واحدة متعددة المستويات، مركزها تغيير البيئة كلها بحيث تصبح أقل قدرة على توليد توازنات مستقلة وأكثر خضوعًا لمفهوم أمني إسرائيلي يعامل الإقليم كله كعمق يجب تطويعه. بهذا المعنى يغدو “تغيير الشرق الأوسط” عنوانًا لمشروع مستمر يريد نقل المنطقة من القلق الدائم إلى الكسر المنظم الذي سيُسمّى لاحقًا استقرارًا.
ومن داخل هذا التصور نفسه يأتي وعد “السلام الحقيقي”. العبارة التي استخدمها نتنياهو في 28 فبراير 2026 لا تنتمي إلى قاموس التسويات المتوازنة، لأن معناها داخل هذا السياق يربط التدمير بإنتاج نظام جديد، ويجعل السلام اسمًا يطلق على المنطقة بعد أن يُعاد تشكيلها بما يكفي لكي تفقد القدرة على الاعتراض الفعال. عند هذه النقطة يلتقي الخطاب الإسرائيلي مع الخطاب الأميركي على مستوى عميق جدًا. “السلام عبر القوة” في واشنطن و“السلام الحقيقي” في تل أبيب يعبران عن منطق واحد. أميركا تمنح الحرب قاموسها الأخلاقي الكوني وصورتها بوصفها مهمة حضارية، فيما تمنحها إسرائيل غايتها الإقليمية وطريقتها التوراتية في تسمية الخصم وإعادة ترتيب الجغرافيا من حوله. ومع التقاء هذين المستويين تتحول الحرب إلى وعد بنظام إقليمي جديد يُطلب من الجميع الاعتراف به بعد اكتمال ما يلزم من نار.
حتى تسمية العملية ضد إيران تدخل في هذا النسق. اختيار اسم “الأسد الصاعد” المأخوذ من آية توراتية تعد بإسرائيل قوية ومنتصرة، ثم قيام نتنياهو بوضع العبارة في حائط البراق قبل الضربة، يكشف أن التوراة تدخل هنا قبل الفعل ومعه ومن خلاله. التسمية نفسها تصير جزءًا من هندسة المعنى. الحرب لا تبدأ من منصة إطلاق فقط، بل من الرمز الذي يسبقها ويهيئ لها صورتها في الوعي. وفي هذا المستوى تقدم إسرائيل نفسها كقوة تاريخية ترى في فعلها ترجمة لوعد أقدم من الحسابات الآنية. وهذا ما يمنح الحرب، في نظر صانعيها ومروجيها، بعدًا أدائيًا إضافيًا: هي تجسد الصورة التي تريد أن ترى نفسها فيها، صورة القوة المخوّلة التي تنهض وتفتك وتعيد ترتيب محيطها وكأن التاريخ نفسه يدعم يدها.
على المستوى الأكثر صراحة وفجاجة، يدفع وزراء نتنياهو هذا البناء إلى عتبة الإزالة المادية المباشرة. حين يعلن وزير الدفاع إسرائيل كاتس أن كل البيوت في القرى اللبنانية القريبة من الحدود ستُدمَّر وفق “نموذج رفح وبيت حانون”، مع منع السكان من العودة إلى ما وراء الليطاني حتى ضمان أمن شمال إسرائيل، فنحن أمام تصور ينقل الحرب من إضعاف الخصم إلى إعادة صياغة الجغرافيا والسكان. والتهديد بتحويل بيروت إلى “خان يونس”، وترديد لغة “جبل الهيكل” و“أرض إسرائيل لنا”، يضع الأرض نفسها داخل المجال العقائدي الذي يشرعن الاقتلاع. هنا يهبط الرمز إلى الخرائط، وتهبط النبوءة إلى البيوت والطرقات وحق العودة وإمكان السكن. وعند هذه النقطة تتجلى البنية كلها بأوضح صورها: نص ديني يرفع العدو إلى مرتبة الخطر التاريخي، وخطاب سياسي يحول هذه الرفعة إلى مبرر دائم، وأداة عسكرية تعطي هذا المبرر جسمًا ملموسًا على هيئة تدمير ومنع عودة وإنتاج فراغات بشرية وجغرافية جديدة.
إذا جمعنا هذه الأصوات معًا، تظهر سردية متكاملة. ترامب يمنح الحرب قاموسها الأخلاقي الكوني: الشر، الحضارة، السلام الذي يولد من الحسم. هيغسيث يمنحها نبرتها المسيحية العسكرية: المزمور، روح المحارب، الهرمجدون، سلطة التحكم في المصير. نتنياهو يمنحها عمقها التوراتي ومشروعها الإقليمي: عماليق، الأسد، تغيير الشرق الأوسط، السلام الحقيقي بعد الحرب. وزراؤه يمنحونها أداتها الاقتلاعية المباشرة: تدمير البيوت، منع العودة، الأرض، الهيكل، إعادة تشكيل السكان والجوار. هذه المستويات تعمل داخل بنية واحدة ترفع العدو إلى مرتبة الشر الوجودي، وترفع الحرب إلى مرتبة التأسيس، وترفع الذات إلى مرتبة الفاعل التاريخي المخوَّل، ثم تحول المنطقة كلها إلى مادة خام لإعادة الترتيب. وبهذا المعنى نكون أمام سردية تخلط الخلاص بالعنف، والقدر بالقرار، وتمنح الهيمنة العسكرية صورة الرسالة التي ينبغي أن تتم مهما كانت الكلفة البشرية والجغرافية والأخلاقية.
من هنا تتضح صورة الخليج على نحو أدق. الخليج في هذه البنية ليس غائبًا عن المسرح، لكنه لا يحتل مركز السردية. قيمته العليا، كما تُفهم داخل ماكينة الحرب، ترتبط بوظائفه: الطاقة، الممرات، القواعد، التمويل، العمق اللوجستي، الاصطفاف في مواجهة إيران، والقدرة على امتصاص جزء من الارتداد. هذه الوظائف تمنحه أهمية عالية، لكنها لا تمنحه حصانة. على العكس، قد تجعله أكثر قابلية لتحمل الكلفة لأنه يقع عند تقاطع الثروة مع القرب الجغرافي من النار، وعند تقاطع الحاجة إليه مع افتراض جاهزيته للدفع. هنا تظهر مفارقة الحليف المعرّض للخسارة. هو جزء من المنظومة التي تُدار بها الحرب، وقد يُستدعى لدعمها أو تسهيلها أو تحمل بعض نتائجها، لكنه لا يملك دائمًا أن يحدد سقفها أو يحسم اتجاهها أو يمنع ارتدادها عليه. ومع اتساع الحرب في الممرات البحرية، أو في البنية النفطية، أو في المجال الصاروخي والأمني، يصبح الخليج من أكثر الساحات تعرضًا لدفع ثمن حرب لم يصغ مشروعها النهائي بنفسه. وموقعه الأدق داخل هذه البنية هو موقع الخزان الحيوي داخل منظومة مستعدة لاستهلاك موارده واستقراره إذا رأت في ذلك جزءًا من كلفة مقبولة لتحقيق ترتيب أوسع. هذه هي الحقيقة القاسية: الخليج مطلوب لوظيفته، وحين ترتفع وظيفة المكان على حقه في الأمان، يصبح تعرضه للابتزاز والارتداد والضغط جزءًا طبيعيًا من منطق الحرب نفسه.
إذا نظرنا إلى العقود الأربعة الماضية من داخل هذا التراكب، يصبح المشهد أقل فوضى من حيث البنية، وأكثر قسوة من حيث المعنى. المنطقة لم تكن أمام مؤامرة دينية صافية، كما أنها لم تكن أمام سلسلة مصالح مجردة من أي سردية أعلى. الذي جرى كان التقاءً بين نبوءة منحت إسرائيل مكانة فوق سياسية، ومشروع إسرائيلي أعاد تعريف أمنه باعتباره حقًا في إعادة تشكيل البيئة كلها، وسلطة أميركية وجدت في هذا التيار الديني خزانًا أخلاقيًا وانتخابيًا يقدس القوة، وعالم عربي وإسلامي دخل في دورات استبداد وتفكك وانقسام جعلته أكثر قابلية للكسر وأقل قدرة على فرض توازنه. وعند هذا الحد تصبح الحروب المتلاحقة من لبنان إلى العراق إلى سوريا إلى غزة إلى إيران أقرب إلى حلقات ضمن منطق مستمر يريد منع الاستقرار المستقل، وتوسيع السيولة، وإبقاء إسرائيل مركزًا وحيدًا فوق إقليم يُطلب منه أن يعيش دائمًا عند حافة الخوف والإنهاك والارتهان.
أما ما بعد الذروة الحالية، فلا يُقرأ على هيئة سيناريوهات متباعدة بقدر ما يُقرأ على هيئة مسار واحد متعدد الطبقات. طبقته الأولى إنهاك طويل لإيران: استنزاف بنيتها العسكرية والاقتصادية، والاقتراب من بنيتها المدنية كلما دعت الحاجة إلى كسر القدرة على الاحتمال، مع الإبقاء على باب الصفقة مفتوحًا بوصفه أداة إذعان. وطبقته الثانية تمدد دائم للجبهات المتصلة: لبنان والممرات البحرية والخليج وسواها تبقى جميعًا ضمن حالة حرب منخفضة أو متوسطة الشدة لا تنطفئ بسهولة، لأن وظيفة هذه الجبهات تتصل باستدامة الضغط ومنع تشكل استقرار مستقل. ثم تأتي الطبقة الثالثة: إنتاج “سلام” بعد النار، سلام يكرّس وضعًا تكون فيه إسرائيل أكثر مركزية، والعرب أكثر تبعية أمنية، وإيران أقل قدرة، والإقليم كله أقل أهلية لإنتاج معادل سياسي مستقل. هذه الطبقات تنبثق من الخطاب نفسه، من “السلام الحقيقي”، ومن “السلام عبر القوة”، ومن “تغيير الشرق الأوسط”، ومن حديث السيطرة على المصير وعلى الممرات وعلى الزمن نفسه.
الخطر هنا يتجاوز حدود الشرق الأوسط، رغم أن الشرق الأوسط هو الميدان الذي تُختبر عليه هذه البنية بأكثر صورها فتكًا. الخطر يمس صورة العالم نفسه حين تبدأ القوة الحديثة بالتكلم بلغة الخلاص، وحين يتحول التفوق العسكري إلى حق في إعادة تعريف الإنسان والعدو والسلام والجغرافيا، وحين يصبح الخراب مرحلة يمكن تسويقها أخلاقيًا لأنها تعد بنظام لاحق يُطلب من الضحايا أنفسهم أن يسموه استقرارًا. عند هذه النقطة لا يكون السؤال كم مدينة ستُدمَّر، وكم دولة ستُضعَف، وكم ممرًا سيُخنَق، بل ماذا يحدث للعالم حين تُدمج النبوءة بترسانة إمبراطورية، وحين تُمنح الحرب صورة الرسالة، وحين يُقال لشعوب كاملة إن ما يقع عليها ليس خيارًا سياسيًا فُرض عليها بقوة السلاح، بل مسار لا بد منه لأن التاريخ المقدس أو الأمن المطلق أو الحضارة الجريحة تطلب ذلك. هذا هو المعنى الأشد فداحة لما نراه. حين تدخل النبوءة غرفة العمليات، لا تُقصف المدن وحدها. يُعاد تعريف العدو على نحو يسهل محوه، ويُعاد تعريف السلام على نحو يسمح بأن يولد من الأنقاض، ويُعاد تعريف الكلفة المقبولة بحيث تصبح حياة مجتمعات كاملة بندًا ثانويًا في مشروع أكبر. وعندها لا يغدو الشرق الأوسط مجرد ساحة حرب، بل يصبح المكان الذي يُختبر فيه ما إذا كان العالم سيقبل أن تتحول القوة إلى عقيدة خلاص، وأن تتحول العقيدة إلى آلة لإنتاج واقع جديد تحت اسم الضرورة.
ليفانت: شادي عادل الخش
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

