الوضع المظلم
الأربعاء ٠٤ / مارس / ٢٠٢٦
Logo
  • رمضان الانتفاضة: إعادة تموضع البديل الديمقراطي في مواجهة نظام ولاية الفقيه

  • مؤتمر باريس: تأطير سياسي لمرحلة ما بعد النظام
رمضان الانتفاضة: إعادة تموضع البديل الديمقراطي في مواجهة نظام ولاية الفقيه
عبدالرزاق الزرزور

في 27 فبراير 2026، شكّل مؤتمر "إيران: الجمهورية الديمقراطية، ضمان الحرية لإيران والسلام للمنطقة" المنعقد في باريس محطة سياسية لافتة في مسار المعارضة الإيرانية المنظمة. المؤتمر، الذي شاركت فيه شخصيات من دول إسلامية وممثلو الجاليات الإسلامية في فرنسا، لم يكن مجرد فعالية خطابية، بل منصة لإعادة تعريف الصراع بوصفه صراعاً بين نموذجين للدولة:  دولة الولي الفقيه القائمة على احتكار السلطة، مقابل مشروع جمهورية ديمقراطية تستند إلى سيادة الشعب.

كلمة السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، جاءت بصياغة تربط بين الرمزية الدينية لشهر رمضان وبين دينامية الانتفاضة الجارية داخل إيران. غير أن القراءة الاستراتيجية للكلمة تكشف أنها محاولة واضحة لتكريس معادلة سياسية مفادها:  إسقاط النظام لم يعد فرضية بعيدة، بل مساراً قائماً يتطلب اعترافاً دولياً بالبديل.

يناير 2026: من الاحتجاج إلى كسر التوازن

الإشارة إلى "يناير الأحمر" ومجزرة المنتفضين في يناير 2026 تندرج ضمن سياق أوسع من التصعيد الداخلي. النظام، الذي واجه خلال السنوات الأخيرة موجات احتجاج متعاقبة، بات يعتمد بصورة شبه حصرية على القمع العاري:  الإعدامات، والاعتقالات الجماعية، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية. هذا التحول يعكس تآكل أدوات الضبط التقليدية وفشل الخطاب الأيديولوجي في احتواء الشارع.

الخطاب المعارض يركّز على نقطة جوهرية: حين يصل الشباب إلى مرحلة "عدم الخوف من الموت"، فإن معادلة الردع تنهار.  في الأنظمة السلطوية، انهيار الردع هو المؤشر الأكثر خطورة، لأنه يفتح الباب أمام انتقال الاحتجاج من المطالبة بالإصلاح إلى استهداف البنية الحاكمة ذاتها.

تفكيك أيديولوجية الحكم: من الدين الإجباري إلى احتكار السيادة

قدّمت رجوي في كلمتها عرضاً منهجياً لعناصر أيديولوجية النظام:  الدين الإجباري، واحتكار السلطة في يد الولي الفقيه، والتمييز ضد النساء والأقليات، وشرعنة الإعدام، وتصدير التطرف.  هذا التفكيك ليس جديداً في خطاب المعارضة، لكنه يكتسب أهمية في لحظة يواجه فيها النظام أزمة شرعية مركبة: اقتصادية، اجتماعية، وأمنية.

من منظور السياسات العامة، المشكلة المركزية ليست فقط في طبيعة القوانين، بل في احتكار السيادة.  النظام صاغ نموذجاً سياسياً يُقصي الشعب من التشريع والرقابة والمحاسبة، ما أنتج اقتصاداً ريعيّاً أمنياً تتحكم به شبكات الحرس الثوري. هذه البنية تجعل أي إصلاح داخلي مستحيلاً، لأن الإصلاح يتطلب تقويض المصالح التي يقوم عليها النظام نفسه.

البديل السياسي: بين التنظيم والشرعية

تطرح المعارضة المنظمة، وعلى رأسها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، نفسها باعتبارها البديل الوحيد القادر على ملء الفراغ في حال سقوط النظام. الحجة الأساسية هنا تقوم على ثلاثة عناصر:  القاعدة الاجتماعية، والتنظيم المتماسك، والرؤية الأيديولوجية المضادة.

التمييز الذي تحاول المعارضة ترسيخه هو أنها لا تمثل عودة إلى ديكتاتورية الشاه، ولا امتداداً لتيار إصلاحي من داخل النظام. شعار "لا الشاه ولا الملالي" يعكس سعياً لقطع الطريق على سيناريوهين: إعادة إنتاج الاستبداد العلماني، أو إعادة تدوير الاستبداد الديني. في هذا السياق، يجري تقديم المجلس الوطني للمقاومة بوصفه أقدم ائتلاف سياسي معارض مستمر منذ أربعة عقود، مما يمنحه شرعية تاريخية وتنظيمية.

الإقليم والأمن: قلب معادلة الفوضى

أحد المحاور الجوهرية في الخطاب هو الربط بين بقاء النظام واستمرار عدم الاستقرار الإقليمي. طهران، خلال العقود الماضية، بنت نفوذها عبر شبكات عسكرية وسياسية في العراق وسوريا ولبنان واليمن. هذه السياسة لم تكن مجرد "تصدير ثورة"، بل استراتيجية عمق أمني تعوّض هشاشة الداخل.

غير أن المعارضة تقلب المعادلة: بدل اعتبار سقوط النظام مصدراً للفوضى، تطرح نفسها كضامن للاستقرار. الفرضية هنا أن الفوضى الحالية هي نتاج بقاء النظام، لا احتمال سقوطه.  نجاح هذا الطرح يعتمد إلى حد كبير على قدرة البديل على طمأنة القوى الإقليمية والدولية بأن انتقال السلطة لن يفتح فراغاً أمنياً.

الرهان الدولي: نهاية سياسة المهادنة؟

الرسالة الموجهة إلى الحكومات واضحة: المطلوب التخلي عن سياسة الاسترضاء والاعتراف بشرعية مقاومة الشعب الإيراني. في الأدبيات الغربية، لطالما ساد جدل بين نهج الاحتواء والتفاوض، وبين دعم التغيير البنيوي. الجديد في اللحظة الراهنة هو أن تصاعد القمع الداخلي وتراجع قدرة النظام على ضبط الشارع يعيدان طرح السؤال:  هل ما زال الاستثمار في استقرار هذا النظام مجدياً؟

الخلاصة

مؤتمر باريس لم يكن حدثاً رمزياً، بل خطوة في معركة الشرعية والاعتراف.  النظام يواجه أزمة وجودية متصاعدة، والمعارضة المنظمة تسعى إلى إقناع الداخل والخارج بأنها البديل الجاهز. المعادلة النهائية ستتحدد بقدرة الشارع على الاستمرار، وبمدى استعداد المجتمع الدولي للتخلي عن مقاربة إدارة الأزمة لصالح مقاربة تغييرها.

إذا كان رمضان 2026 قد وُصف بأنه "رمضان الانتفاضة"، فإن الاختبار الحقيقي سيكون فيما إذا كانت هذه الانتفاضة قادرة على التحول من موجة غضب إلى تحول سياسي منظم يعيد تعريف الدولة في إيران ويعيد رسم توازنات المنطقة بأسرها.

عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري

 

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!