-
شمال وشرق سوريا معركة سوريا المؤجلة... تقرير تحليلي معمق
المقدمة والسياق العام
يمرُّ الملف السوري في بدايات عام 2026 بمنعطفٍ استراتيجي غير مسبوق منذ اندلاع الحرب عام 2011، يتجاوز كونه مجرد تصعيد عسكري أو خلافاً بين أطراف متصارعة، ليصبح صراعاً جوهرياً على شكل الدولة السورية المستقبلية. في قلب هذا الصراع يتجسد سؤال مركزي: هل تنتهي تجربة الحكم الذاتي واللامركزية في شمال وشرق سوريا؟ أم تبقى إرهاصات نموذج حكم جديد يمكن أن يشكل بديلاً أو مكملاً للدولة المركزية؟
تجسد مناطق شمال وشرق سوريا، التي سيطرت عليها فصائل كردية وعربية تحت مظلة «الإدارة الذاتية» منذ 2012–2013، تجربة حكم محلياً مختلفاً كثيراً عن النموذج التقليدي للدولة السورية المركزية. هذا النموذج بُني على مبادئ اللامركزية، المشاركة السياسية للمكوّنات الكردية والعربية والسريانية، وتعزيز دور المرأة في المؤسسات المدنية، كما أنه شكّل طوال العقد الماضي عنصر استقرار محلي في مواجهة تنظيم داعش. وهو أيضاً مشروع سياسي واجتماعي تطمح بعض قياداته إلى إدماجه في حل سياسي شامل لسوريا المستقبل، إلا أنه لم ينل اعترافاً رسمياً من دمشق ولا من المجتمع الدولي باستثناءات قليلة.
لكن ما يجري اليوم بات يمثل نهاية تلك التجربة أو تحوّلاً جذرياً لها. ففي 18 كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت الحكومة السورية توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار و«اندماج كامل» مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يقضي بدمج قواتها في مؤسسات الدولة، وتسليم الحكومة السيطرة على المدن النفطية والمعابر والسجون والمناطق الإدارية التي كانت تحت سيطرتها. وطوال الأيام الماضية سيطرت القوات الحكومية على مدن رئيسية مثل الرقة ودير الزور، بينما تُركت الخلافات الميدانية حول ملف السجون والمعتقلين لتكشف هشاشة تنفيذ الاتفاق.
يمثل هذا التطور تحولاً في ميزان القوى المحلي والدولي، إذ أن ما كان يُنظر إليه دولياً كـ «أمر واقع» أو «حكم ذاتي إقليمي» لأكثر من عقد تحول الآن إلى خطة لإعادة توحيد مؤسسات الدولة السورية تحت سيطرة العاصمة دمشق. أما على الأرض فقد ظهرت علامات توتر حول إدارة سجون عناصر تنظيم داعش التي ما تزال قضية حساسة تهدد استقرار المنطقة، إذ اندلعت اشتباكات مؤخراً بين الجيش السوري وقسد حول السجون رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، مما أسفر عن فرار بعض السجناء وتفاقم المخاوف الأمنية.
السياق الذي ولد فيه هذا التحوّل يعود إلى أعوام طويلة من الحرب والهشاشة المؤسساتية في سوريا. بعد أن تحوّل النزاع في 2011 من احتجاجات شعبية إلى حرب شاملة، دمّرت الدولة كثيراً من بنيتها، وبرزت بدائل محلية كثيرة في مناطق مختلفة من البلاد. في شمال وشرق سوريا ظهر نموذج الحكم الذاتي الذي استمد شرعيته من واقع الحرب والانتصارات المحلية على داعش، لكن غياب أرضية دستورية أو اعتراف دولي جعله عرضةً لضغوط سياسية وعسكرية مستمرة.
من منظور دمشق، كان هذا النموذج يشكل تهديداً لوحدة الدولة ومبدأ السيادة المركزية الذي طالما اعتُبر خطاً أحمر في السياسة السورية. وقد عبّرت الحكومة في السنوات الماضية عن رفضها لأي شكل من الحكم الفيدرالي أو اللامركزي الذي يتجاوز اتفاقاً وطنياً شاملاً، معتبرة ذلك مساساً بوحدة البلاد.
وبين هذا السياقين، يقف المجتمع الدولي في موقع المتفرج في كثير من الأحيان، حيث تعامل مع شمال وشرق سوريا بمنطق إدارة الأزمات وتقليل الانفجار الكبير، لا بإطار حل سياسي جذري. وقد تم التعامل مع اتفاقات متعددة على أساس أنها ترتيبات أمنية مؤقتة لا تُغيّر من الواقع العام، ما يشير إلى صمت سياسي مدروس يتناغم مع شبكة مصالح دولية وإقليمية.
في هذا التقرير نفتح ملف شمال وشرق سوريا من زاوية تحليلية معمّقة، لا سطحية، ربطاً بين التاريخ والسياسة والمصالح، لرسم صورة واضحة عمّا يحدث في هذه اللحظة المفصلية في تاريخ سوريا الحديث.
التحوّل الحالي: من الإدارة الذاتية إلى الاندماج المؤسسي
شهد شمال وشرق سوريا، منذ مطلع عام 2026، مرحلة مفصلية في بنيته السياسية والإدارية بعد اتفاق 18 يناير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). هذا التحول لم يكن مجرد تعديل إداري أو انسحاب جزئي لقوات محلية، بل تمثل في عملية شاملة لإعادة تكوين سلطة الدولة السورية في مناطق حكم ذاتي استمرت لعقد كامل.
أ. خلفية التحوّل
الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تأسست في خضم الفراغ الأمني والسياسي الذي خلفته الحرب السورية. اعتمدت على نموذج لامركزي تشاركي يتيح مشاركة الكرد والعرب والسريان في القرار السياسي والإداري، ويعزز دور المرأة في الهيئات المحلية والأمنية. هذا النموذج كان يُنظر إليه محلياً كوسيلة لضمان الاستقرار ومكافحة تنظيم داعش، ولكنه ظل محدوداً في الاعتراف الدولي والدعم الدبلوماسي، ما جعله عرضة للضغوط من دمشق وتركيا والتحالف الدولي.
التحديات تراكمت منذ عام 2018، عندما تحول المجتمع الدولي من السعي لحل سياسي شامل إلى سياسة إدارة الأزمات ومنع الانفجار الكبير. ضمن هذا الإطار، اعتُبرت الإدارة الذاتية أمراً واقعاً يمكن التسامح معه ميدانياً، طالما أن التوازنات الإقليمية والدولية لم تتأثر بشكل مباشر.
ب. ملامح التحوّل
1. دمج المؤسسات الأمنية والعسكرية
الاتفاق الأخير نص على دمج جميع عناصر قسد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية في الدولة السورية. هذه الخطوة تعني أن ما كان يُعتبر جيشاً محلياً شبه مستقل أصبح الآن جزءاً من البنية العسكرية الوطنية، مع فقدان استقلاليته في القرار العسكري والسياسي.
هذا الدمج ليس فحسب تكتيكياً، بل يحمل رسالة سياسية واضحة: دمشق ترفض أي سلطة موازية وتعمل على استعادة الهيمنة المركزية الكاملة على كل مؤسسات الدولة.
2. السيطرة على الموارد الحيوية
الاتفاق منح الحكومة السورية السيطرة على الحقول النفطية والغازية والمعابر الحدودية التي كانت تحت إدارة الإدارة الذاتية. هذه الموارد هي العصب الاقتصادي والسياسي للمناطق الشرقية، واستعادتها تمثل تعزيزاً لقدرة الدولة المركزية على فرض سياساتها الإقليمية والاقتصادية.
3. إدارة السجون ومخيمات داعش
واحدة من أكثر النقاط حساسية في الاتفاق هي نقل المسؤولية الكاملة عن السجون والمخيمات التي تضم عناصر داعش وعائلاتهم إلى الدولة السورية. هذا الملف يمثل قنبلة موقوتة، إذ أن أي إخفاق في الإدارة قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الأمنية واستعادة التنظيم قدراته. (apnews.com)
4. إعادة تشكيل الإدارة المدنية
المناطق التي كانت تحت الحكم الذاتي ستدمج إداراتها المحلية في مؤسسات الدولة المركزية، ما يقلص من سلطة الهيئات المحلية على التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات العامة. هذا التحول يعكس توحيد القرار السياسي في دمشق على حساب التعددية المحلية التي مثلت علامة مميزة لنموذج الإدارة الذاتية.
ج. تداعيات التحوّل على المستوى المحلي
1. هشاشة الأمن المحلي
مع انسحاب قسد من بعض المناطق ونقل السيطرة للجيش السوري، ظهرت ثغرات أمنية مؤقتة، خصوصاً في محيط السجون والمخيمات. التقارير الأخيرة تشير إلى فرار بعض السجناء وتعرض بعض المنشآت لهجمات محدودة، مما يبرز الحاجة إلى إجراءات أمنية متسقة ومؤسساتية.
2. فقدان الهوية المحلية
الإدارة الذاتية لم تكن مجرد سلطة سياسية، بل أداة لإدارة المجتمعات المحلية ضمن نموذج يوازن بين المكونات العرقية والدينية. دمج هذه الهياكل في الدولة المركزية قد يؤدي إلى شعور المجتمع المحلي بالتهميش وفقدان السيطرة على شؤونه، خصوصاً في المناطق التي عاشت سنوات طويلة تحت إدارة محلية مستقلة.
3. التحديات الاقتصادية
استعادة الدولة للحقول النفطية والغازية والمعابر تشكل فرصة لتعزيز الاقتصاد السوري الرسمي، لكنها أيضاً قد تولد توترات محلية بسبب التحكم المركزي بالموارد، ما قد يؤدي إلى نزاعات على توزيع العائدات والوظائف الإدارية.
د. أبعاد التحوّل الدولية والإقليمية
1. تركيا
تركيا، التي لطالما عارضت مشروع الإدارة الذاتية، ترى في دمج قسد ضمن الدولة السورية مكسباً أمنياً يحد من نفوذ الفصائل الكردية المستقلة، ويقلل خطر تمدد حزب العمال الكردستاني على الحدود الجنوبية. (aawsat.com)
2. الولايات المتحدة والتحالف الدولي
الولايات المتحدة أظهرت مرونة محدودة تجاه اتفاق الاندماج، مركزّة على منع عودة داعش أكثر من الحفاظ على الحكم الذاتي أو اللامركزية السياسية، ما يوضح أن المعيار الدولي في هذه المرحلة هو إدارة الاستقرار الأمني وليس الدفع بالإصلاح السياسي الشامل. (reuters.com)
هـ. خلاصة التحوّل
التحوّل من الإدارة الذاتية إلى الاندماج المؤسسي يمثل نهاية فترة من الحكم الذاتي، وتحولاً جذرياً في ميزان القوى المحلي والإقليمي. إنه ليس مجرد تعديل إداري، بل إعادة تأسيس كامل لبنية الدولة السورية في شمال وشرق البلاد، يعيد ضبط السلطة، الموارد، الأمن، والمستقبل السياسي للسكان المحليين.
يبقى السؤال الأكبر: هل سيؤدي هذا التحوّل إلى استقرار فعلي طويل الأمد، أم أن هشاشة الملفات الأمنية والمدنية، خصوصاً ملف داعش والمجتمعات المحلية، ستؤدي إلى أزمات جديدة؟ هذا ما سنستعرضه في المحاور التالية.
القوى الفاعلة وتحالفاتها في شمال وشرق سوريا
يمثل الصراع في شمال وشرق سوريا اليوم محصلة لتفاعل عدد من القوى المحلية والإقليمية والدولية، كل منها يحمل مصالحه الخاصة، أدواته، وأجندته السياسية. لفهم التحولات الأخيرة ونجاح أو فشل أي اتفاق مثل اتفاق 18 يناير 2026، من الضروري تفكيك استراتيجيات وأدوار هذه القوى.
أ. دمشق: استعادة السيطرة والهيمنة المركزية
السلطة السورية، بقيادة الرئيس بشار الأسد، تنظر إلى ما كان يُعرف بـ «الإدارة الذاتية» على أنه تحدٍ مباشر لمبدأ سيادة الدولة المركزية. بالنسبة لدمشق:
السيطرة على الموارد الاقتصادية: السيطرة على حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية هي أولوية قصوى، إذ تمثل مصدر التمويل الرئيسي للجيش والدولة في مرحلة إعادة البناء بعد الحرب.
الهيمنة على المؤسسات العسكرية: دمج قوات قسد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية يُعيد بنية الجيش والأمن تحت القيادة المركزية، ما يحد من أي قوة موازية قد تقوض سلطة الدولة.
رسالة سياسية للمعارضة والفصائل الأخرى: يُعد هذا التحول إعلاناً ضمنياً لكل القوى المحلية بأن السلطة المركزية ستعيد صياغة مؤسسات الدولة وفق رؤيتها وحدها.
التحديات التي تواجه دمشق تشمل إدارة ملفات حساسة مثل المعتقلات ومخيمات داعش، وضمان استقرار المجتمعات المحلية التي اعتادت على الحكم الذاتي لسنوات طويلة.
ب. قسد والإدارة الذاتية: من سلطة موازية إلى شريك محدود
قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تمثل القوة العسكرية الرئيسة التي دعمت الإدارة الذاتية، وتشكلت من تجمعات كردية وعربية سريانية. أهداف قسد التاريخية شملت:
حماية السكان المحليين من داعش والفوضى الأمنية.
دعم نموذج لامركزي تشاركي يحفظ الحقوق المدنية والسياسية للمكونات المختلفة.
الاحتفاظ بالسيطرة على الموارد الاقتصادية والإدارية لضمان استقلالية القرار.
مع الاتفاق الأخير، تحول وضع قسد إلى شريك محدود ضمن مؤسسات الدولة، مع فقدان القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة. رغم ذلك، ما تزال قسد تحتفظ بالخبرة الأمنية المحلية التي تجعلها عنصراً محورياً في تثبيت الأمن بعد الانسحاب العسكري الجزئي.
ج. تركيا: معادلة الأمن والحدود
تركيا، العضو الحيوي في حلف الناتو، لطالما اعتبرت نموذج الإدارة الذاتية ووجود قسد على حدودها الجنوبية تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي. أهداف تركيا الرئيسية تتضمن:
منع إقامة حكم كردي مستقل على حدودها، ووقف أي “عدوى سياسية” من النموذج التشاركي.
استخدام النفوذ المحلي عبر الفصائل المسلحة لتقويض أي كيان مستقل لا يخضع للتأثير التركي.
التحرك ضمن المعايير الدولية لتجنب مواجهة دبلوماسية مباشرة مع حلفائها الغربيين، مع الحفاظ على مصالحها الإقليمية.
الاتفاق الأخير بين دمشق وقسد يخدم تركيا على المدى القصير لأنه يقلل من قوة الكرد المسلحة المستقلة، لكنه يطرح تساؤلات عن قدرتها على التأثير في الملفات الأمنية والمجتمعية بعد انسحاب قسد جزئياً.
د. التحالف الدولي: الولايات المتحدة وأوروبا
التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، لعب دوراً محورياً منذ محاربة داعش:
الولايات المتحدة: حافظت على دعم محدود لقسد خلال السنوات الماضية، مركزّة على منع عودة تنظيم داعش أكثر من الدفع بإنشاء حكم ذاتي أو لامركزي مستدام. الدعم العسكري الأمريكي كان أساسياً للحفاظ على استقرار الميدان، لكنه لم يشمل أدوات سياسية لتعزيز الإدارة الذاتية.
أوروبا: ركزت على الجانب الإنساني وإعادة الإعمار الجزئي، مع تجنّب الانخراط السياسي المباشر. هذا أتاح للدولة السورية التحرك بحرية أكبر لإعادة فرض هيمنتها.
النتيجة: المجتمع الدولي لم يعترض بفعالية على دمج قسد في مؤسسات الدولة، لأن اهتمامه الأساسي كان حماية الاستقرار الأمني ومنع عودة داعش وليس الحفاظ على نموذج الإدارة الذاتية.
هـ. الفصائل المسلحة المحلية والميليشيات
تلعب الفصائل المسلحة الموالية لتركيا أو تلك المنبثقة من المعارضة السابقة دوراً محدوداً ولكنه مهم في إدارة نقاط الاشتباك على الأرض. هذه الفصائل:
لا تمتلك مشروعاً سياسياً مستقلّاً، وإنما تعمل كأداة ضغط أو نفوذ تركي.
أي نموذج ناجح للإدارة الذاتية يُضعف مصداقيتها، ويحوّلها من قوة ميدانية إلى أداة وظيفية ضمن منظومة أكبر.
و. توازن القوى وتأثير التحالفات على الاتفاق الأخير
التفاعل بين هذه القوى يُظهر أن الاتفاق الأخير ليس مجرد هدنة عسكرية، بل:
إعادة توزيع القوى بين دمشق وقسد مع الاحتفاظ بالدور الأمني المحلي للقسد.
تأكيد دور تركيا كضامن جزئي لأمن الحدود الجنوبية، دون مواجهتها مباشرة مع دمشق.
ضمان استمرار إشراف التحالف الدولي على ملفات داعش لتجنب انهيار الأمن الإقليمي.
هذا التوازن دقيق، حيث أن أي خلل في إدارة المعتقلات أو الموارد أو المجتمعات المحلية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج النزاع العسكري والسياسي على شكل جديد.
بالخلاصة
القوى الفاعلة في شمال وشرق سوريا تعمل ضمن شبكة معقدة من المصالح المحلية والإقليمية والدولية. فهم هذه التحالفات ضروري لتفسير:
سبب نجاح أو فشل اتفاق الاندماج الأخير.
هشاشة الأمن المحلي رغم السيطرة العسكرية.
استمرارية أو انهيار نموذج الإدارة الذاتية السابق.
التوازن بين دمشق، قسد، تركيا، والتحالف الدولي يعكس سياسة إدارة الأزمات بدلاً من حل جذري للمشكلة السورية، ويضع المنطقة أمام مرحلة مفصلية يمكن أن تحدد شكل الدولة السورية لعقود قادمة.
ملف السجون ومخيمات داعش: القنبلة الموقوتة في شمال وشرق سوريا
منذ انسحاب الجيش السوري والتحولات التي شهدها شمال وشرق سوريا، أصبح ملف السجون والمخيمات التي تضم عناصر داعش وعائلاتهم محوراً رئيسياً في الصراع السياسي والأمني في المنطقة. يُنظر إلى هذا الملف على أنه مؤشر مباشر على هشاشة الاتفاقات العسكرية والسياسية الأخيرة، ويشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية على فرض سيطرتها بشكل فعّال.
أ. الخلفية والأهمية الاستراتيجية
خلال السنوات الماضية، سيطرت الإدارة الذاتية على سجون ومخيمات عدة، أبرزها:
سجن الحسكة المركزي ومراكز الاعتقال في الرقة والشدادي، حيث يُحتجز آلاف المقاتلين الأجانب والمحليين المنتمين لتنظيم داعش.
مخيمات الهول وعين عيسى والشدادي، والتي تضم عائلات المتطرفين، بما في ذلك النساء والأطفال، ويقدر عددهم بعشرات الآلاف.
هذه المنشآت كانت تحت إدارة محلية شبه مستقلة بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، مع توفير بعض المساعدات الإنسانية من الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية.
أهمية الملف تكمن في كونه يشكل نقطة ضغط استراتيجية لكل من دمشق والتحالف الدولي وتركيا:
أمنياً: أي إخفاق في إدارة هذه السجون قد يؤدي إلى فرار عناصر داعش واستئناف نشاطهم العسكري في المنطقة.
سياسياً: التحكم بهذا الملف يعكس قدرة الدولة المركزية على فرض هيمنتها على المناطق السابقة للحكم الذاتي.
إنسانياً: المخيمات تحتوي على آلاف المدنيين، منهم نساء وأطفال، أي فشل إداري سيخلق أزمة إنسانية واسعة النطاق.
ب. التحديات الحالية
1. هشاشة السيطرة الإدارية
مع انسحاب قسد جزئياً واندماج قواتها في الجيش السوري، أصبحت إدارة السجون والمخيمات مخاطرها الأمنية عالية. التقارير الأخيرة أظهرت هروب بعض السجناء من السجون في الرقة والشدادي خلال الاشتباكات، مما أكد فشل التنسيق الأمني الكامل بين الأطراف.
2. ضعف المراقبة الدولية
مع إعادة إدارة المخيمات للسياق السوري، تقل قدرة المنظمات الدولية على مراقبة حقوق الإنسان والتأكد من عدم إعادة إنتاج التنظيمات المتطرفة. هذا يطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى أي التزامات دولية مستقبلية لضمان عدم استغلال المخيمات أمنياً.
3. عودة عناصر داعش
مع إعادة توزيع السيطرة، هناك قلق من إعادة تدوير داعش في صيغ جديدة، سواء عبر انشقاقات محلية أو تسهيلات غير مقصودة، ما قد يؤدي إلى مرحلة جديدة من العنف الإرهابي داخل سوريا والمنطقة.
ج. الاستجابة الدولية
التحالف الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة، تبنى سياسة مراقبة حذرة:
دعم محدود لإعادة التنظيم الإداري للمخيمات.
مراقبة جزئية لعمليات تسليم المعتقلين إلى دمشق.
اهتمام مركّز على منع الفرار الجماعي لعناصر داعش.
هذا الأسلوب يعكس صمتاً سياسياً مدروساً: الحفاظ على استقرار المنطقة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة السورية.
د. المخاطر الإنسانية
المخيمات لا تضم فقط مقاتلين، بل آلاف النساء والأطفال الذين يعانون نقص الغذاء، الخدمات الصحية، والتعليم. أي خلل في الإدارة السورية للمخيمات قد يؤدي إلى كارثة إنسانية تؤثر على سمعة دمشق دولياً، وتزيد من حالة عدم الاستقرار المحلي.
كما أن المجتمعات المحيطة بالمخيمات تخشى انتشار التطرف أو عمليات الانتقام، ما يضاعف حدة الأزمة ويزيد الحاجة إلى تدخل مدني وتنموي عاجل.
هـ. السيناريوهات المحتملة
النجاح النسبي: إدارة الدولة للمخيمات بفعالية مع دعم محدود دولياً، سيؤدي إلى استقرار مؤقت وضمان استمرار الاندماج السياسي والعسكري.
الإخفاق الأمني: أي تسرب لعناصر داعش أو إخفاق إداري سيؤدي إلى أزمة أمنية واسعة النطاق، قد تنعكس على كامل سوريا والمنطقة المجاورة.
الأزمة الإنسانية: سوء إدارة المخيمات قد يؤدي إلى نزوح داخلي واسع، تفاقم الفقر، وتوتر بين المجتمعات المحلية والدولة المركزية.
و. خلاصة المحور
ملف السجون ومخيمات داعش يمثل القنبلة الموقوتة في شمال وشرق سوريا. نجاح الدولة السورية في إدارة هذا الملف يُعتبر مفتاح استقرار التحولات الأخيرة، في حين أن أي إخفاق سيكون له انعكاسات استراتيجية على الأمن المحلي والإقليمي، ويعيد طرح السؤال الأكبر: هل التحوّل الحالي يؤدي إلى دولة مستقرة أم مجرد إعادة إنتاج للاضطراب تحت أدوات جديدة؟
دبلوماسية الصمت الدولي: مصالح قبل مبادئ
يُعد استمرار الصمت الدولي تجاه التطورات في شمال وشرق سوريا، بما في ذلك الاشتباكات الأخيرة، المجازر المحدودة، والمخاطر الأمنية المرتبطة بسجون ومخيمات داعش، ظاهرة سياسية تحمل رسائل أعمق من مجرد غياب القدرة على التدخل. الصمت ليس ناتجاً عن عجز أخلاقي أو نقص معلومات، بل عن قرار سياسي محسوب يتماشى مع شبكة مصالح دولية وإقليمية معقدة.
أ. الولايات المتحدة والتحالف الدولي: إدارة الاستقرار دون التدخل السياسي
الولايات المتحدة، التي كانت الداعم الأساسي لقوات سوريا الديمقراطية، تبنت خلال السنوات الماضية سياسة إدارة الاستقرار الأمني المحلي دون الدفع نحو إصلاح سياسي شامل. أهدافها تشمل:
منع عودة تنظيم داعش إلى شمال وشرق سوريا، وهو الهدف الأكثر إلحاحاً بالنسبة للتحالف الدولي.
الحد من النفوذ التركي المباشر على الأراضي السورية، دون الدخول في مواجهة عسكرية واسعة مع أنقرة، الشريك في حلف الناتو.
التقليل من المخاطر على التحالف العسكري والاقتصادي الإقليمي، بما في ذلك المصالح الأمريكية في الغاز والنفط وإعادة البناء.
نتيجة هذه السياسة، فإن أي تدخل مباشر لمنع دمج قسد في مؤسسات الدولة السورية كان سيشكل مخاطرة سياسية كبيرة، لذا اكتفى المجتمع الدولي بالمراقبة والمراسلات الدبلوماسية المحدودة.
ب. الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية: التوازن بين إنساني وسياسي
الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية الدولية تعاملت مع الملف السوري من منظور إنساني وأمني أكثر من كونه سياسياً. أهداف هذه الجهات تشمل:
تقديم المساعدات الأساسية للمخيمات والمناطق المحتاجة، مع التركيز على النساء والأطفال.
مراقبة أوضاع حقوق الإنسان بشكل محدود، خاصة في سجون داعش والمخيمات.
تجنب الانخراط السياسي المباشر الذي قد يُفسّر على أنه دعم لنموذج الإدارة الذاتية أو تحدٍ لدمشق.
هذا التوازن أدى إلى ما يُمكن تسميته “سياسة صمت مشروط”: السماح للتحولات المحلية بأن تجري، شريطة ألا تهدد مصالح الأمن الإقليمي أو المصالح الاقتصادية الغربية.
ج. تركيا: صمتها الاستراتيجي وتحريك الفصائل
تركيا لعبت دوراً مزدوجاً: على صعيد السياسة الدولية، لم تعارض الاندماج الجزئي لقسد في الدولة السورية، لأن ذلك يقلل من قوة الكرد المستقلة على حدودها الجنوبية؛ أما على الأرض، فقد اعتمدت على فصائل محلية مسلحة كأداة ضغط لضمان استمرار النفوذ التركي بشكل غير مباشر.
هذا المزيج من الصمت الدولي والضغط الإقليمي يُظهر كيف يمكن للسياسة أن تتحكم في إعادة رسم الخرائط المحلية دون مواجهة عسكرية واسعة.
د. الحسابات الجيوستراتيجية: مصالح قبل العدالة
الصمت الدولي يمكن تفسيره عبر مجموعة من الحسابات:
التوازن الإقليمي: أي تدخل مباشر قد يخل بالتحالفات القائمة، خاصة مع تركيا كعضو ناتو، وروسيا وإيران كقوى داعمة لدمشق.
الاقتصاد والسيطرة على الموارد: شمال وشرق سوريا غني بالنفط والغاز، وأي محاولة لفرض سيادة محلية بديلة قد تُعطل خطط إعادة الإعمار والسيطرة الاقتصادية.
إعادة إنتاج الاستقرار النسبي: القوى الدولية تفضل إدارة الأزمات بدلاً من خلق أزمة جديدة، حتى لو كان ذلك يعني تجاهل بعض الانتهاكات أو الهجمات المحدودة.
هـ. تأثير الصمت على التحولات الداخلية
الصمت الدولي لم يترك تأثيراً فقط على المستوى السياسي والدبلوماسي، بل أثر أيضاً على الجانب الإنساني والمجتمعي:
ساهم في تخفيف الضغوط على الحكومة السورية لتعديل سلوكها في شمال وشرق البلاد.
جعل من دمج قسد في الدولة أمراً واقعياً بدون ضمانات دولية.
أضعف قدرة المجتمع المحلي على الدفاع عن حقوقه، إذ أن غياب دولة راعية دولية جعل الحقوق أقل كلفة سياسياً.
و. خلاصة المحور
الصمت الدولي تجاه شمال وشرق سوريا ليس علامة على العجز، بل استراتيجية محكمة قائمة على مصالح أمنية وسياسية واقتصادية. هذا الصمت يسمح لدولة مركزية قوية بإعادة صياغة المشهد المحلي وفق رؤيتها، بينما يظل المجتمع المحلي، لا سيما الإدارة الذاتية وقسد، محاصر بين الواقع العسكري وغياب الحماية الدولية.
في هذا السياق، يصبح مستقبل شمال وشرق سوريا مرهوناً ليس فقط بالسياسة المحلية، بل بالقدرة الدولية على فرض توازن جديد بين الاستقرار والمبادئ الإنسانية والسياسية.
المجتمع المحلي والآثار الإنسانية: بين التغيير السياسي والأزمات اليومية
التحولات الأخيرة في شمال وشرق سوريا، بما فيها دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة، واستعادة دمشق السيطرة على الموارد والمناطق الإدارية، لم تُحدث تغييراً في البنية السياسية فقط، بل أثرت بشكل مباشر على حياة السكان المحليين اليومية ومستوى حقوقهم الإنسانية والسياسية. لفهم هذه الأبعاد، من الضروري تحليل عدة مستويات: المعيشة، النزوح، الحقوق المدنية، والتعليم والصحة.
أ. التغيرات في الحياة اليومية والمعيشة
مع إعادة سيطرة الدولة على المدن والمناطق الاقتصادية الحيوية، ظهرت تغييرات ملموسة في الحياة اليومية:
الموارد والخدمات العامة: إعادة دمج الإدارات المحلية في الدولة المركزية غالباً ما تؤدي إلى بطء في تقديم الخدمات العامة مثل الكهرباء، المياه، والصحة، خصوصاً في المناطق التي كانت تحت الإدارة الذاتية لسنوات.
الوظائف والمناصب: دمج قوات قسد والمناصب الإدارية أدى إلى إعادة توزيع الوظائف، ما ألقى بظلاله على الموظفين المحليين والمجتمع المدني، وأحياناً خلق شعوراً بالتهميش أو الإقصاء.
الاستقرار الأمني: رغم السيطرة العسكرية، إلا أن المخاطر الأمنية الناتجة عن إدارة السجون والمخيمات، وفرار بعض السجناء، جعل الشعور بالأمن غير مكتمل، خصوصاً في المدن الحدودية والمناطق الريفية.
ب. النزوح والتأثير على المجتمعات المحلية
التحولات الأخيرة أدت إلى زيادة أعداد النازحين داخلياً وخارجياً:
النزوح الداخلي: بعض العائلات العربية والكردية، خصوصاً في مناطق الرقة ودير الزور، هربت من المدن بعد اندلاع الاشتباكات أو بسبب خوف من الانتهاكات الأمنية.
النزوح نحو الحدود الدولية: هناك تقارير عن تحرك بعض العائلات نحو العراق وتركيا بحثاً عن أمان نسبي، ما يخلق ضغطاً إنسانياً على الدول المجاورة.
هذه الحركات السكانية تزيد من الهشاشة الاجتماعية وتضع تحديات أمام إعادة البناء والاستقرار الطويل الأمد.
ج. الحقوق المدنية والسياسية
الإدارة الذاتية كانت توفر بعض الأطر المدنية والسياسية، بما في ذلك مشاركة المكونات المختلفة في الحكم المحلي، وتمثيل النساء في المؤسسات:
فقدان التمثيل المحلي: مع دمج الإدارات المحلية، قد يشعر السكان بأن صوتهم السياسي تقلص، وأن القرارات تُتخذ من العاصمة دون مراعاة الخصوصية المجتمعية المحلية.
الحقوق اللغوية والثقافية: بعض القرى والمدن التي كانت تحت الإدارة الذاتية تتحدث أكثر من لغة واحدة، وتحتفل بثقافات متعددة. توحيد السياسات الإدارية قد يؤدي إلى حد من التنوع الثقافي والسياسي.
الحقوق المدنية: المرسوم رقم /13/ المتعلق بالحقوق الكردية، الذي أثار جدلاً سابقاً، يوضح أن الحقوق لا تُمنح بالقرارات الإدارية المؤقتة، بل تحتاج إلى حماية دستورية وقانونية لضمان استدامتها.
د. التعليم والصحة
النموذج الذاتي السابق سمح بمرونة في التعليم المحلي، بما في ذلك تدريس اللغات المحلية والمناهج التشاركية. التحوّل إلى الإدارة المركزية له تأثيرات على:
المناهج التعليمية: إعادة توحيد المناهج قد تؤدي إلى فقدان الهوية المحلية والتنوع اللغوي والثقافي.
الخدمات الصحية: رغم سيطرة الدولة على البنى التحتية، إلا أن الوصول للخدمات الصحية المتخصصة ما يزال محدوداً، خصوصاً في مناطق النزوح والمخيمات.
برامج الدعم الاجتماعي: أي تقليص للدعم المدني أو توقف التمويل الدولي قد يؤدي إلى تفاقم الفقر والأزمات الإنسانية.
هـ. التأثير النفسي والاجتماعي
التحولات الأخيرة وغياب الاستقرار السياسي والأمني لها تأثيرات نفسية على السكان المحليين:
القلق والخوف المستمر بسبب الاشتباكات والأزمات الأمنية.
الإحباط السياسي نتيجة فقدان القدرة على المشاركة في اتخاذ القرارات المحلية.
انقسامات اجتماعية بين من يدعم الاندماج مع الدولة ومن يرى فيه إلغاءً للهوية المحلية والمكاسب السابقة.
هذه العوامل تؤكد أن التحديات الإنسانية لا تقل أهمية عن التحديات العسكرية والسياسية، وأن أي تقييم لاستقرار المنطقة يجب أن يدمج البعدين المادي والنفسي للسكان.
و. خلاصة المحور
المجتمع المحلي في شمال وشرق سوريا يعيش مرحلة تحوّل معقدة بين السلطة المركزية والحياة اليومية. نجاح أي عملية دمج أو إدارة للموارد والمؤسسات يعتمد على:
ضمان استقرار أمني فعال.
احترام الحقوق المدنية والثقافية والسياسية للسكان المحليين.
تقديم دعم إنساني متواصل ومتنوع لمنع تفاقم النزوح والفقر.
إشراك المجتمع المحلي في آليات اتخاذ القرار لتخفيف شعور التهميش والإقصاء.
التحولات السياسية في شمال وشرق سوريا لن تكون مستدامة إذا لم يتم التعامل بجدية مع البعد الإنساني والمجتمعي، وإلا فإن أي إخفاق قد يعيد إنتاج الأزمات الأمنية والسياسية على شكل جديد.
السيناريوهات المستقبلية: أي دولة في شمال وشرق سوريا؟
مع التحولات الأخيرة ودمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، أصبحت شمال وشرق سوريا محور اختبار لمستقبل الدولة السورية بأكملها. السؤال الأساسي الذي يواجه المنطقة هو: هل ستتحول سوريا إلى دولة تشاركية متعددة الهويات، أم ستظل سلطة مركزية قسرية؟
تحليل السيناريوهات المستقبلية يعتمد على ثلاثة محاور رئيسية: الاستقرار السياسي، الأمان المدني والأمني، والاستجابة الإنسانية.
أ. السيناريو الأول: الدولة التشاركية متعددة الهويات
في هذا السيناريو، يتحقق تكامل بين الإدارة المركزية والمجتمعات المحلية:
إدماج فعلي للمدن والهيئات المحلية: يتم احترام حقوق المكونات المختلفة (الكرد، العرب، السريان، والعلويين) في اتخاذ القرار المحلي، مع الحفاظ على بعض آليات الحكم الذاتي اللامركزي.
حماية الحقوق المدنية والسياسية: يتم إدراج الحقوق في دستور جديد يضمن التمثيل العادل لكل المكونات، ويضع قواعد واضحة للمشاركة السياسية وتوزيع الموارد.
إدارة أمنية فعالة: الدولة تدمج قسد ضمن الجيش والأمن مع حماية الخبرات المحلية لمنع أي عودة لعناصر داعش.
دعم دولي محدود ولكن استراتيجي: المجتمع الدولي يوفر تمويلاً لمشاريع التنمية والبنى التحتية، مع مراقبة ملفات حقوق الإنسان، دون التدخل المباشر في السياسة الداخلية.
النتيجة المحتملة: استقرار نسبي طويل الأمد، مع تعزيز الهوية المحلية والمشاركة السياسية، وتقليل احتمالات النزوح أو الصراع الداخلي.
ب. السيناريو الثاني: سلطة قسرية مركزية
في هذا السيناريو، تفرض الدولة السورية السيطرة الكاملة على شمال وشرق البلاد بدون مراعاة التنوع المحلي أو المشاركة المجتمعية:
دمج كامل للقوات المحلية والمراكز الإدارية، مع إلغاء أي سلطة محلية فعالة.
تقييد الحقوق المدنية والثقافية، بما في ذلك حرية التعليم باللغة المحلية والمشاركة السياسية للنساء والأقليات.
تركيز على الأمن العسكري والحد من أي تهديد محتمل، بما في ذلك إدارة صارمة للسجون والمخيمات.
صمت دولي، حيث يُعتبر أن استقرار الحدود ومنع داعش أهم من التمثيل السياسي المحلي.
النتيجة المحتملة: استقرار أمني قصير الأجل، لكن مع احتقان مجتمعي طويل الأمد، نزوح، وانقسامات محلية، ما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بشكل جديد مستقبلاً.
ج. السيناريو الثالث: انفلات أمني ونشوء أزمات جديدة
هذا السيناريو يشمل مزيجاً من إخفاق الإدارة المركزية وضعف الدعم الدولي والمخاطر الأمنية:
إدارة فاشلة للمخيمات والسجون، ما يؤدي إلى فرار عناصر داعش أو إعادة تكوين خلايا إرهابية.
احتقان المجتمعات المحلية بسبب الإقصاء السياسي أو فقدان الخدمات، ما يزيد من احتمالات احتجاجات أو مقاومة مسلحة محلية.
تزايد النزوح الداخلي والخارجي، وزيادة الضغط على الدول المجاورة والمنظمات الإنسانية.
تراجع الاستثمار الدولي والتنمية، مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
النتيجة المحتملة: أزمة متعددة الأبعاد: أمنية، سياسية، وإنسانية، قد تؤدي إلى عودة الفوضى المحلية وإعادة تشكيل خرائط النفوذ على الأرض.
د. العوامل المؤثرة على السيناريوهات
عدة عوامل ستحدد أي السيناريوهات ستتحقق:
قدرة الدولة السورية على إدارة المخيمات والسجون بشكل فعّال.
تفاعل المجتمع المحلي: سواء من خلال المشاركة أو المقاومة السلبية للسياسات المركزية.
الضغط الدولي والإقليمي: مواقف تركيا، الولايات المتحدة، وأوروبا ستظل حاسمة.
استقرار الموارد الاقتصادية: السيطرة على النفط والغاز والموانئ والمعابر الحدودية ستحدد قدرة الدولة على الاستقرار.
عودة داعش أو نشاط الفصائل المسلحة: أي نشاط أمني غير محكم قد يعيد إنتاج الصراع بشكل سريع.
هـ. استنتاجات استراتيجية
شمال وشرق سوريا في قلب صراع على شكل الدولة السورية المستقبلية: إما دولة تشاركية، أو سلطة مركزية قسرية، أو منطقة معرضة للانفلات الأمني.
نجاح أي نموذج يعتمد على مزيج من الاستقرار السياسي، الأمن الفعال، حماية الحقوق، والدعم الدولي المستمر.
الصمت الدولي، كما أظهر التاريخ الحديث، ليس غياباً عن المراقبة، بل أداة سياسة لإدارة الأزمات، مما يجعل التوازن بين القوى الدولية والمحلية أساسياً لاستقرار المنطقة.
أي إخفاق في الإدارة أو تجاهل الحقوق المحلية قد يؤدي إلى استعادة الصراع بصيغة جديدة، مع تأثيرات أمنية وإنسانية واسعة النطاق على سوريا والمنطقة بأسرها.
ليفانت: د.علي مطيع عيسى
دكتوراة في العلوم السياسية
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

