-
إيران في قلب العاصفة: انعكاسات التآكل الداخلي على استقرار الإقليم
لا يمكن اختزال الصراع الدائر داخل إيران في كونه مجرد مواجهة أمنية محلية بين "وحدات المقاومة" والنظام؛ إذ إن التصدعات العميقة في هرم السلطة بطهران بدأت تفرض تداعيات جيوسياسية مباشرة على منطقة الشرق الأوسط. إن تحول منظمة "مجاهدي خلق" ووحداتها داخل إيران من فاعل هامشي إلى قوة استراتيجية قادرة على تنفيذ أكثر من 4000 عملية سنوياً، يطرح تحدياً وجودياً لا يقتصر على مستقبل النظام السياسي، بل يمتد ليشمل إعادة تعريف موازين القوى الإقليمية.
تراجع "الهيمنة الإقليمية" أمام استنزاف الداخل
لطالما اعتمد النظام الإيراني على استراتيجية "الدفاع المتقدم" عبر وكلائه في الإقليم لتصدير أزماته إلى الخارج. ومع ذلك، فإن تصاعد عمليات المقاومة في الداخل الإيراني - بما في ذلك استهداف مقرات الحرس والميليشيات - يفرض على طهران إعادة ترتيب أولوياتها قسرياً. إن انشغال الآلة الأمنية بمواجهة "خطر وجودي" في شوارع طهران ومدن إيران المختلفة، يقلص من قدرة النظام على مواصلة تمويل وتوجيه أذرعه الإقليمية، مما يفتح المجال أمام تغيرات جوهرية في المشهد الأمني الإقليمي.
سيناريو "الضياء الخالد 2" ومخاوف الجوار
إن هاجس النخبة الحاكمة، وعلى رأسهم شخصيات مثل محمد رضا عارف، من تكرار سيناريو "الضياء الخالد 2"، يعكس الخوف من أن تؤدي أي هزيمة للنظام في الداخل إلى انهيار سريع لشبكة نفوذه الإقليمي. دول الجوار تراقب بتمعن هذا المسار؛ فالمقاومة التي ترفع شعار "لا للشاه ولا للملالي" تتبنى موقفاً مبدئياً ضد التدخل الأجنبي، وهو ما قد يمهد الطريق لسياسة خارجية إيرانية جديدة قائمة على حسن الجوار بدلاً من التوسع الأيديولوجي. إن أي تغيير ديمقراطي من الداخل سيحمل بالضرورة تحولاً في العقيدة السياسية لإيران، من "دولة ثورية" تسعى لتصدير النموذج، إلى "دولة وطنية" تركز على إعادة بناء اقتصادها ومجتمعها.
ارتباك الحسابات الإقليمية في ظل "عجز القمع"
إن عجز النظام عن وأد الحركة الاحتجاجية رغم الإعدامات المتوالية، كما رأينا في حالة المهندس حامد وليدي ونيما شاهي، يرسل إشارة واضحة للقوى الإقليمية والدولية بأن رهانها على استقرار النظام هو رهان خاسر. إن الفشل في "بث الرعب" يعني أن التغيير في إيران لم يعد خياراً ترفيهياً بل هو مسار حتمي. هذا الواقع يضع القوى الإقليمية أمام استحقاق تاريخي: التكيف مع "إيران ما بعد النظام الحالي"، التي قد تكون أكثر استقراراً وقدرة على التفاعل الإيجابي مع محيطها، بعيداً عن سياسات التجييش الطائفي والعداء الأيديولوجي.
الخلاصة: نحو نظام إقليمي جديد
إن المعركة التي تخوضها "وحدات المقاومة" في الداخل الإيراني ليست معزولة عن تطلعات شعوب المنطقة في الاستقرار. وبما أن النظام الإيراني قد ربط بقاءه باستمرار حالة التوتر الإقليمي، فإن تقويض هذا النظام من الداخل يعني نزع فتيل الكثير من الأزمات التي تعصف بالمنطقة. إن الاستراتيجية التي تتبناها المعارضة، القائمة على الاعتماد الذاتي ورفض الدكتاتوريتين، تقدم نموذجاً بديلاً يرفض الارتهان للخارج أو الخضوع للاستبداد.
ختاماً، إن التغيرات المتسارعة داخل إيران تشير إلى أننا أمام نهاية مرحلة تاريخية. وإذا كان النظام قد استمد قوته لسنوات من خلال إرهاب الداخل وتصدير الاضطراب للخارج، فإن المعادلة اليوم قد انقلبت؛ حيث أضحى الداخل هو ساحة الحسم التي ستقرر ليس فقط مستقبل إيران، بل ملامح النظام الإقليمي في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
عبدالرزاق الزرزورمحامي وناشط حقوقي سوري
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

