الوضع المظلم
الخميس ١٦ / أبريل / ٢٠٢٦
Logo
  • الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة

  • قراءة جيوسياسية–اقتصادية–عسكرية في موقع إيران ضمن معادلة الصراع مع الولايات المتحدة
الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة
د.علي مطيع عيسى

في الأدبيات الكلاسيكية للعلاقات الدولية، ارتبط مفهوم “النصر” تاريخياً بالحسم العسكري المباشر، أي القدرة على إخضاع الخصم ميدانياً وفرض شروط سياسية واضحة عليه. غير أن تحولات بنية النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، وصعود الفاعلين غير التقليديين، وتزايد الاعتماد على أدوات القوة غير الصلبة، أدت إلى إعادة تعريف هذا المفهوم باتجاه ما يمكن تسميته بـ “الانتصار النسبي” (Relative Victory).

في هذا السياق، لم يعد السؤال: من انتصر؟ بل أصبح: من خسر أقل؟ ومن استطاع تحويل الصراع إلى عبء طويل الأمد على خصمه؟ (Cohen, 2015). هذه المقاربة تكتسب أهمية خاصة عند تحليل النزاعات غير المتكافئة بين قوى عظمى تمتلك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً هائلاً، ودول إقليمية تعتمد على استراتيجيات بديلة قائمة على الاستنزاف، والمرونة، وإعادة توزيع الكلفة.

يندرج التوتر بين الولايات المتحدة وإيران ضمن هذا الإطار التحليلي. فعلى الرغم من الفجوة الكبيرة في القدرات التقليدية، فإن مسار الصراع لا يعكس تفوقاً حاسماً لواشنطن، بل يكشف عن قدرة إيرانية على إعادة تشكيل قواعد الاشتباك وتحويل ميزان الكلفة لصالحها نسبياً.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل فرضية مفادها أن إيران، في سياق هذا النمط من الصراع، يمكن اعتبارها المنتصر النسبي، ليس عبر تحقيق أهداف توسعية أو حسم عسكري، بل من خلال الصمود، وفرض الاستنزاف، والحفاظ على أدوات القوة، ضمن مقاربة متعددة الأبعاد تشمل: العسكري، الاقتصادي، والسياسي.

 

 

تشير التحولات المتراكمة في أدبيات الصراع غير المتكافئ إلى أن مفهوم النصر لم يعد يُقاس بمؤشرات التفوق العسكري الصلب أو القدرة على الحسم الميداني السريع، بقدر ما أصبح مرتبطاً بمدى نجاح الفاعل السياسي في تحويل هذا التفوق إلى نتائج استراتيجية قابلة للاستدامة. ففي سياقات التفاعل بين قوى غير متكافئة، كما هو الحال في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، يتراجع الوزن الحاسم للقدرة التدميرية لصالح عناصر أكثر تركيباً، تتعلق بإدارة الصراع، وامتصاص تداعياته، وإعادة توزيع كلفته على نحو غير متوازن. وقد بيّن Ivan Arreguín-Toft في دراسته حول أنماط الحروب غير المتكافئة أن الفجوة في القوة قد تتحول إلى عبء على الطرف الأقوى إذا لم تُترجم إلى مكاسب سياسية واضحة، إذ يظل هذا الطرف مطالباً بتحقيق نتائج حاسمة تبرر كلفة الانخراط، بينما يمتلك الطرف الأضعف هامشاً أوسع للمناورة عبر الاكتفاء بإطالة أمد الصراع ومنع خصمه من تحقيق أهدافه.

في هذا الإطار، يُعاد تعريف النجاح الاستراتيجي بوصفه قدرة مركّبة على الاستمرار تحت الضغط، والحفاظ على تماسك البنية الداخلية، وفي الوقت نفسه فرض كلفة ممتدة على الخصم. فالدولة التي تستطيع امتصاص الصدمات، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية، دون أن تنزلق إلى حالة انهيار وظيفي، تكون قد نجحت في تحييد جزء كبير من أدوات الضغط الخارجي. ويكتسب هذا العامل أهمية مضاعفة عندما يقترن بقدرة النظام السياسي على الحفاظ على تماسكه، ومنع انتقال الضغوط الخارجية إلى الداخل الاجتماعي والسياسي، بما يضمن استمرارية القرار الاستراتيجي وعدم خضوعه لتقلبات ظرفية. وفي المقابل، يتحول الصراع إلى عبء تراكمي على الطرف الأقوى عندما يُجبر على البقاء في حالة انخراط طويل الأمد، تتزايد خلالها الكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، دون أفق واضح لتحقيق نصر حاسم.

ضمن هذا المنظور، لم يعد الطرف الأضعف مطالباً بكسب المعركة بقدر ما يكفيه أن يمنع خصمه من كسبها، وهو تحول نوعي في منطق الصراع يعكس انتقالاً من مفهوم “النصر عبر الحسم” إلى “النصر عبر الاستنزاف”. هذا التحول يفسر كيف يمكن لدولة مثل إيران، رغم محدودية مواردها مقارنة بخصم بحجم الولايات المتحدة، أن تعيد صياغة قواعد الاشتباك على نحو يقلص من فعالية التفوق التقليدي، ويحوّل الزمن ذاته إلى عنصر قوة لصالحها. فكلما طال أمد الصراع دون حسم، تآكلت جدوى التفوق العسكري، وازدادت أهمية القدرة على التكيّف والتحمل، وهو ما يفضي في النهاية إلى إعادة توزيع موازين الربح والخسارة على أسس مختلفة، تجعل من الصمود بحد ذاته شكلاً من أشكال الانتصار.

البعد العسكري: منطق الاستنزاف مقابل منطق الحسم

ينبغي فهم البعد العسكري في الصراع بين إيران والولايات المتحدة خارج الأطر التقليدية التي تختزل القوة في حجم الجيوش أو مستوى التفوق التكنولوجي، إذ أن طهران عملت، على مدى عقود، على إعادة تعريف مفهوم القوة العسكرية بما يتناسب مع موقعها كدولة إقليمية تواجه خصماً متفوقاً بنيوياً. في هذا السياق، تبنّت نموذجاً قائماً على الحرب غير المتماثلة، يرتكز إلى توظيف أدوات منخفضة الكلفة نسبياً لكنها عالية التأثير العملياتي، مثل الصواريخ الباليستية والمسيّرات، إلى جانب بناء شبكات نفوذ إقليمية ذات طابع لامركزي. هذا التحول يعكس انتقالاً من مفهوم “الجيش التقليدي” إلى ما يمكن وصفه بـ “منظومة الردع الموزّع”، حيث لا تُقاس الفعالية العسكرية بامتلاك منصات قتالية متقدمة فحسب، بل بالقدرة على خلق بيئة عملياتية معقدة تتسم بتعدد الجبهات، وتشتيت الجهد العسكري للخصم، وإدخاله في حالة مستمرة من عدم اليقين.

ضمن هذا الإطار، تصبح القدرة على ضرب أهداف متعددة في أزمنة وأماكن مختلفة، وتوسيع مسرح العمليات خارج الحدود المباشرة، أدوات مركزية في معادلة الردع، إذ تفرض على الطرف المقابل توزيع موارده الدفاعية على نطاق واسع، ما يؤدي إلى استنزاف تدريجي في الكفاءة والجاهزية. هذا النمط من القوة لا يسعى إلى تحقيق تفوق حاسم في مواجهة مباشرة، بل إلى تقويض فعالية التفوق التقليدي عبر تعقيد بيئة الصراع، وتحويله من مواجهة محدودة إلى شبكة من التهديدات المتداخلة.

من جهة أخرى، تستند الفعالية العسكرية الإيرانية إلى ما يمكن تسميته “الدفع المسبق للكلفة”، حيث أن الجزء الأكبر من الاستثمار في البنية التحتية العسكرية، وخاصة في مجالات الصواريخ والمسيّرات، تم قبل لحظة التصعيد، ما يجعل الكلفة الحدّية لأي استخدام لاحق لهذه القدرات منخفضة نسبياً. هذا العامل يمنح إيران ميزة بنيوية في إدارة التصعيد، إذ تستطيع الانخراط في مستويات مختلفة من العمليات دون أن تتحمل أعباء مالية متزايدة بشكل متناسب. في المقابل، تواجه الولايات المتحدة معادلة مختلفة تماماً، حيث يرتبط أي انخراط عسكري بكلفة تشغيلية يومية مرتفعة تشمل الانتشار العسكري الواسع، وتأمين القواعد، وحماية الحلفاء، وإدارة سلاسل الإمداد المعقدة، ما يجعل استمرار الصراع عبئاً مالياً واستراتيجياً متصاعداً.

هذه الفجوة بين كلفة ثابتة نسبياً لدى إيران وكلفة متغيرة ومتصاعدة لدى الولايات المتحدة تخلق اختلالاً في ميزان الاستدامة، حيث يصبح الزمن عاملاً ضاغطاً على الطرف الأقوى بدلاً من أن يكون في صالحه. في هذا السياق، لا تسعى إيران إلى تحقيق نصر عسكري مباشر أو حسم ميداني، بل تعتمد استراتيجية تقوم على إطالة أمد الصراع، وتوسيع نطاق التهديد، ورفع كلفة التدخل إلى مستويات تجعل الاستمرار فيه موضع تساؤل داخل بنية القرار لدى الخصم. هذا المنطق يتقاطع مع ما أشار إليه ماو تسي تونغ في تنظيره لحروب الاستنزاف، حيث لا يكون الهدف كسر العدو في مواجهة واحدة، بل إنهاكه تدريجياً عبر الزمن، ودفعه إلى الانسحاب تحت ضغط الكلفة المتراكمة. بهذه المقاربة، تتحول الحرب من حدث عسكري محدود إلى عملية استنزاف ممتدة، يصبح فيها البقاء والاستمرار بحد ذاته شكلاً من أشكال التفوق الاستراتيجي.

البعد الاقتصادي للصراع: الجغرافيا كسلاح استراتيجي

يتجاوز البعد الاقتصادي في هذا الصراع كونه خلفية داعمة للعمليات العسكرية، ليتحول إلى ساحة اشتباك قائمة بذاتها، تتقاطع فيها الجغرافيا مع منطق الأسواق العالمية. في هذا السياق، تستفيد إيران من موقعها الجيوسياسي الذي يمنحها قدرة كامنة على التأثير في أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، الممتد عبر مضيق هرمز وباب المندب، حيث يمر جزء معتبر من إمدادات النفط والتجارة العالمية. غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المواقع لا تكمن بالضرورة في إغلاقها الفعلي، بل في القدرة على توظيفها كأداة ضغط غير مباشر عبر خلق حالة مستمرة من عدم اليقين. فمجرد التلويح بتهديد الملاحة أو رفع مستوى المخاطر الأمنية كفيل بزيادة تكاليف التأمين والشحن، وإرباك الأسواق، ودفع الأسعار نحو الارتفاع، ما ينعكس سريعاً على الاقتصاد العالمي.

في هذا الإطار، يصبح “التوقع” أداة تأثير لا تقل أهمية عن “الفعل”، إذ تتحرك الأسواق بناءً على تقدير المخاطر المستقبلية بقدر ما تتفاعل مع الوقائع القائمة. وهذا يمنح إيران هامشاً واسعاً للمناورة، حيث تستطيع تحقيق أثر اقتصادي ملموس دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة أو تحمل تبعات إغلاق فعلي قد يستدعي رداً دولياً واسعاً. من جهة أخرى، طورت إيران عبر سنوات من العقوبات نموذجاً اقتصادياً قائماً على التكيّف مع الضغوط الخارجية، يعتمد على شبكات تبادل غير رسمية، واقتصاد ظل نشط، وآليات التفاف على القيود المفروضة. وعلى الرغم من أن هذا النموذج يحمل كلفة اجتماعية واقتصادية داخلية، إلا أنه يوفر في المقابل درجة من المرونة تمكّن الدولة من امتصاص الصدمات والتعامل مع الأزمات بوصفها حالة مستمرة وليست استثناءً طارئاً.

في المقابل، تواجه الاقتصادات الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، معادلة مختلفة تتسم بحساسية عالية تجاه تقلبات أسعار الطاقة، وارتباط عميق بسلاسل إمداد معولمة، واستجابة سريعة للأسواق المالية تجاه أي مؤشرات على عدم الاستقرار. هذا الترابط، الذي يشكل مصدر قوة في أوقات الاستقرار، يتحول في لحظات التوتر إلى نقطة ضعف بنيوية، حيث تنتقل الصدمات بسرعة عبر مختلف القطاعات والأسواق. ونتيجة لذلك، يظهر نوع من عدم التماثل في التأثير، إذ تميل الصدمة إلى أن تكون أكثر حدة وامتداداً في الاقتصادات المنفتحة، مقابل تأثير أكثر احتواءً في اقتصاد اعتاد العمل تحت الضغط.

هذا التباين يعيد طرح مفارقة أساسية في الاقتصاد السياسي الدولي، مفادها أن درجة الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي، رغم ما توفره من مزايا، قد تتحول إلى عامل هشاشة في أوقات الأزمات. وفي هذا السياق، تنجح إيران في توظيف موقعها الجغرافي ونموذجها الاقتصادي الخاص لإعادة توزيع كلفة الصراع، بحيث لا تبقى محصورة داخل حدودها، بل تمتد لتطال خصومها بشكل أكثر اتساعاً، ما يعزز موقعها ضمن معادلة “الانتصار النسبي” القائمة على القدرة على التحمل وفرض الكلفة في آن معاً.

البعد السياسي: الإرادة، الشرعية وحدود القوة:

يتخذ البعد السياسي في هذا الصراع طابعاً حاسماً يتجاوز حدود القوة المادية، ليتمحور حول مسألتي الإرادة والقدرة على الاستمرار، وهما عنصران غالباً ما يُغفلان في التحليلات التي تركّز على موازين القوة التقليدية. في هذا السياق، يتميّز النظام السياسي في إيران بدرجة عالية من مركزية القرار، خاصة في القضايا الأمنية والاستراتيجية، ما يتيح له الحفاظ على استمرارية في التوجهات طويلة الأمد دون أن يتأثر بشكل مباشر بالتقلبات الظرفية أو الضغوط قصيرة المدى. هذه المركزية تمنح صانع القرار هامشاً أوسع لتبنّي سياسات صدامية أو استنزافية إذا اقتضت الضرورة، دون الخشية من انعكاسات انتخابية فورية أو ضغوط مؤسسية معيقة.

 

في المقابل، تعمل الولايات المتحدة ضمن بنية مؤسسية معقدة يتوزع فيها القرار بين البيت الأبيض والكونغرس والمؤسسات الأمنية والإعلام، فضلاً عن تأثير الرأي العام والدورات الانتخابية. هذا التوزع، الذي يُعدّ أحد ركائز النظام الديمقراطي، يتحول في سياق الصراعات طويلة الأمد إلى عامل تقييد لقدرة الدولة على الاستمرار في سياسات مكلفة وغير شعبية، إذ تصبح كل خطوة عسكرية أو تصعيدية خاضعة لحسابات داخلية دقيقة، تتعلق بالكلفة السياسية بقدر ما تتعلق بالكلفة الاستراتيجية. ومن هنا تنشأ فجوة واضحة في القدرة على تحمّل الاستنزاف، حيث يتمتع الطرف ذو القرار المركزي بمرونة أعلى في إدارة الصراع على المدى الطويل مقارنة بطرف يخضع لرقابة داخلية مستمرة.

إلى جانب ذلك، يلعب عامل تحمّل الخسائر دوراً محورياً في تحديد مسار النزاعات الممتدة. فالدراسات المقارنة تشير إلى أن المجتمعات تختلف في مدى استعدادها لقبول التضحيات البشرية والاقتصادية، وهو اختلاف يرتبط بالبنية الثقافية والسياسية والخطاب السائد. في الحالة الإيرانية، يُعاد إنتاج مفهوم “الصمود” ضمن إطار أيديولوجي وسياسي يجعل من المواجهة جزءاً من سردية الهوية الوطنية، الأمر الذي يرفع منسوب القبول الاجتماعي للكلفة ويخفف من أثرها التفكيكي على الداخل. في المقابل، يميل المجتمع في الولايات المتحدة إلى حساسية أعلى تجاه الخسائر، حيث يتصاعد الضغط الداخلي كلما طال أمد الصراع، وتتزايد التساؤلات حول جدواه وكلفته، ما ينعكس بدوره على صانع القرار ويحدّ من خياراته.

ضمن هذا السياق، تبرز مسألة الشرعية الداخلية بوصفها عنصراً مركزياً في معادلة “الانتصار النسبي”. فنجاح إيران في الحفاظ على تماسك مؤسساتها ومنع انتقال الضغوط الخارجية إلى حالة من الانهيار الداخلي، يُعدّ بحد ذاته مؤشراً على تحقيق هدف استراتيجي دفاعي. إذ إن أحد الأهداف الضمنية لأي ضغط خارجي هو إحداث تصدعات داخلية تؤدي إلى تغيير سلوك النظام أو تفككه، وعندما يفشل هذا الهدف، يكون الطرف المستهدف قد نجح في تحييد أداة رئيسية من أدوات خصمه. وبهذا المعنى، لا يُقاس الأداء السياسي فقط بقدرته على تحقيق مكاسب خارجية، بل أيضاً بمدى نجاحه في حماية الجبهة الداخلية، وضمان استمرارية الدولة في مواجهة الضغوط، وهو ما يشكل في حد ذاته أحد أهم أشكال التفوق في الصراعات غير المتكافئة.

إعادة تقييم مفهوم النصر في الحالة الإيرانية:

عند الانتقال من المعايير الكلاسيكية لقياس النصر إلى مقاربات أكثر ارتباطاً بطبيعة الصراعات المعاصرة، تتبدل صورة النتائج بشكل جذري. فوفق المنظور التقليدي، الذي يربط النصر بالحسم العسكري المباشر أو بفرض تسوية سياسية واضحة، لا يمكن الحديث عن انتصار حاسم لأي من الأطراف في التفاعل بين الولايات المتحدة وإيران؛ إذ لم يتحقق تغيير في بنية النظام الإيراني، ولم تُشل قدراته الاستراتيجية، كما لم تُفرض عليه تسوية بشروط أمريكية. غير أن هذا التقييم، رغم دقته الشكلية، يغفل التحولات العميقة التي طرأت على مفهوم النصر ذاته في سياق الحروب غير المتكافئة.

فعند اعتماد معيار “الانتصار النسبي”، الذي يركّز على القدرة على الصمود، وإدارة الاستنزاف، ومنع الخصم من تحقيق أهدافه، تتغير القراءة بشكل ملحوظ. فقد تمكنت إيران من الحفاظ على بنيتها السياسية والعسكرية، واستمرت في تشغيل أدواتها الاستراتيجية دون انقطاع، في الوقت الذي نجحت فيه في فرض كلفة مستمرة ومتراكمة على خصمها، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي. هذا الواقع يعكس قدرة على تحويل الصراع من مواجهة قابلة للحسم إلى حالة استنزاف مفتوحة، تتآكل فيها جدوى التفوق التقليدي مع مرور الوقت.

ضمن هذا الإطار، يصبح الفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية بمثابة خسارة صافية للطرف الأقوى، الذي يدخل الصراع وهو محمّل بتوقعات عالية وموارد كبيرة يفترض أن تُترجم إلى نتائج ملموسة. وفي المقابل، يتحول الصمود بحد ذاته إلى شكل من أشكال النصر بالنسبة للطرف الأضعف، لأنه يعني نجاحه في تعطيل إرادة خصمه وإفشال مشروعه دون الحاجة إلى تحقيق تفوق ميداني مباشر. ومن هنا، لا يُقاس النصر في الحالة الإيرانية بقدرتها على كسب المعركة، بل بقدرتها على منع خصمها من كسبها، وهو تحول مفاهيمي يعكس جوهر الصراعات غير المتكافئة في النظام الدولي المعاصر.

باختصار: تكشف قراءة التفاعل بين الولايات المتحدة وإيران عن تحوّل بنيوي في طبيعة الصراع الدولي، حيث لم تعد القوة الصلبة، رغم أهميتها، عاملاً حاسماً بذاته في تقرير مآلات المواجهة، بل أصبحت القدرة على إدارة الصراع والتحكم بإيقاعه ومساراته أكثر تأثيراً من القدرة على حسمه عسكرياً. في هذا السياق، تبرز الحالة الإيرانية بوصفها نموذجاً لدولة نجحت في إعادة توظيف عناصر ضعفها البنيوي ضمن استراتيجية مركّبة، حوّلت من خلالها القيود إلى أدوات فاعلة، سواء عبر تطوير أنماط ردع غير تقليدية، أو عبر توسيع مجال الاشتباك بما يتجاوز الحدود الجغرافية المباشرة، أو من خلال فرض معادلة استنزاف طويلة الأمد تعيد توزيع الكلفة على نحو غير متكافئ.

في المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها محكومة بمنطق مختلف، حيث يرتبط أي انخراط استراتيجي بضرورة تحقيق نتائج واضحة وقابلة للقياس، تبرر الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية أمام الداخل والخارج. وعندما يتعذر تحقيق هذا النوع من النصر الحاسم، تتحول الاستمرارية في الصراع إلى عبء متزايد، تتآكل معه جدوى التفوق التقليدي، وتتراجع القدرة على فرض الإرادة السياسية. هنا تحديداً تتجلى المفارقة التي تحكم الصراعات غير المتكافئة: الطرف الأقوى مطالب بالنصر، بينما يكتفي الطرف الأضعف بمنع الهزيمة.

انطلاقاً من ذلك، لا يمكن توصيف موقع إيران ضمن هذا الصراع وفق القوالب التقليدية التي تربط النصر بالحسم، بل ينبغي النظر إليه بوصفه شكلاً من أشكال الانتصار الاستراتيجي الدفاعي، القائم على الصمود، والتكيّف، والقدرة على فرض كلفة مستمرة على الخصم دون الانجرار إلى مواجهة شاملة. وهذا النمط من الانتصار، الذي يتأسس على إدارة الزمن واستثمار التعقيد، ينسجم مع طبيعة النظام الدولي المعاصر، الذي يتسم بتعدد الأقطاب، وتشابك المصالح الاقتصادية، وتزايد كلفة الحروب المفتوحة. وعليه، فإن القيمة الاستراتيجية لمثل هذا “الانتصار” لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في قدرته على إعادة تعريف قواعد القوة ذاتها، بما يجعل من الاستمرار بحد ذاته أداة تأثير لا تقل فاعلية عن الحسم العسكري التقليدي.

ليفانت: د.علي مطيع عيسى

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!