-
الكورد من الشراكة السياسية إلى الوظائف الإدارية.
لم تكن القضية الكردية في سوريا، في جوهرها، قضية مطالب إدارية أو نزاعاً على الحصص والمناصب، بل شكّلت على الدوام قضية سياسية وحقوقية تتعلق بالاعتراف بالشعب الكردي، وبحقه في التمتع بحقوقه القومية والثقافية والسياسية والاجتماعية.
ومع التحولات التي شهدتها سوريا عقب سقوط نظام الأسد، وظهور سلطة انتقالية جديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع، عاد إلى التداول السياسي والإعلامي مصطلح “اندماج الكورد في الدولة السورية”، وهو توصيف يثير إشكاليات سياسية ووطنية عميقة، لأنه ينطلق ضمنيًا من التعامل مع الكورد باعتبارهم جماعة منفصلة عن البنية الوطنية السورية، أو مكوّنًا يحتاج إلى إعادة إدماج داخل الدولة والمجتمع.
غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة تاريخية وسياسية أساسية، تتمثل في أن الكورد ليسوا جماعة مهاجرة أو طارئة على سوريا، بل هم جزء تاريخي من نسيجها الاجتماعي والسياسي، وأسهموا، شأنهم شأن بقية المكونات السورية، في بناء الدولة السورية الحديثة وفي الحياة العامة على مختلف المستويات. ومن هنا، فإن استخدام مفهوم “الاندماج” في توصيف العلاقة بين الكورد والدولة السورية لا يبدو مجرد خطأ لغوي أو سياسي، بل يعكس استمرارًا لذهنية قديمة طالما تعاملت مع الكورد بوصفهم “مسألة ملحقة” أو “حالة استثنائية”، بدل الاعتراف بهم كشركاء متساوين في الوطن والدولة، مصطلح “اندماج الكورد في الدولة السورية”، وهو توصيف لا ينسجم مع حقيقة الواقع السوري ولا مع طبيعة الوجود الكردي في البلاد. فمفهوم الاندماج يُستخدم عادة لوصف الجماعات القادمة من خارج المجتمع أو الدولة، كما هو الحال مع اللاجئين والمهاجرين في الدول الأوروبية.
وفي هذا السياق، برزت خلال الأشهر الماضية سلسلة لقاءات وحوارات بين ممثلي السلطة المؤقتة في دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية»، جرت بمعظمها خارج إطار التوافقات السياسية الكردية التي أُعلن عنها عقب مؤتمر السادس والعشرين من نيسان، ومن دون مشاركة فعلية للوفد الكردي المشترك المنبثق عنه، والذي كان يُفترض أن يشكّل ممثلا سياسياً جامعاً للكورد السوريين في أي حوار يتعلق بمستقبل القضية الكردية.
كما أن ما رشح عن تلك اللقاءات بقي محاطًا بقدر كبير من الغموض، سواء من حيث طبيعة التفاهمات المطروحة أو حدودها السياسية والقانونية. وفي المقابل، بدا أن الجانب التنفيذي منها انحصر في ترتيبات إدارية وأمنية وتوزيع لبعض المواقع الوظيفية، بينما غابت المقاربة السياسية الشاملة التي تتناول جذور القضية الكردية بوصفها قضية حقوق وشراكة وطنية.
على المستوى السياسي، فلم يصدر حتى الآن سوى المرسوم رقم 13، الذي تضمّن بعض المؤشرات الإيجابية، إلا أنه ما يزال يمثل رؤية السلطة الانتقالية أكثر مما يعكس توافقًا وطنيًا حقيقيًا. فالقضايا المرتبطة بحقوق الكورد، شأنها شأن القضايا الوطنية الكبرى، لا يمكن أن تُعالج عبر مراسيم مؤقتة أو تفاهمات سياسية عابرة، بل تحتاج إلى ضمانات دستورية واضحة تُكرّس مبدأ المساواة والشراكة الكاملة بين جميع السوريين.
وقد أدى تهميش الوفد الكردي المشترك وإبعاده عن الحوارات السياسية الأساسية إلى تنامي حالة من القلق والاستياء داخل الشارع الكردي، خاصة مع تصاعد الانطباع بأن السلطة في دمشق تتجه نحو مقاربة أمنية وإدارية للقضية الكردية، تقوم على الاحتواء وتوزيع الأدوار، بدل الانخراط في حوار سياسي جدي يعترف بجوهر القضية ويبحث عن حلول مستدامة لها.
والواقع أن اختزال القضية الكردية في بعدها الإداري أو الخدمي لا يختلف كثيرًا، من حيث الجوهر، عن السياسات التي اتبعتها الحكومات السورية المتعاقبة لعقود طويلة، حين جرى التعامل مع الكورد باعتبارهم ملفًا أمنيًا أو هامشًا سياسيًا يمكن ضبطه وإدارته، لا شريكًا وطنيًا يمتلك حقوقًا وتطلعات مشروعة.
الكورد، بوصفهم جزءًا من الشعب السوري، يمتلكون حقًا طبيعيًا في المشاركة الكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، وفي المساهمة بصناعة مستقبل البلاد على قدم المساواة مع بقية المكونات الوطنية. فالشراكة الوطنية لا تعني مجرد تمثيل رمزي أو إداري محدود، بل تعني الاعتراف المتبادل بين السوريين جميعًا بحقوق بعضهم البعض، والدفاع عنها بوصفها جزءًا من مفهوم المواطنة الجامعة، بعيدًا عن منطق الغلبة العددية أو الهيمنة القومية أو المذهبية.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء الحركة السياسية الكردية نفسها من جانب من المسؤولية عن حالة التشتت والضعف التي رافقت إدارة هذا الملف خلال السنوات الماضية. إذ لم تنجح القوى السياسية الكردية، في كثير من المحطات، في بناء موقف موحد قادر على فرض حضور سياسي متماسك في المعادلة السورية. كما يتحمل حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري مسؤولية إضافية نتيجة انفراده بالقرار السياسي والعسكري، وعدم التزامه الكامل بمخرجات مؤتمر 26 نيسان 2025، فضلًا عن دخوله في تفاهمات منفردة مع السلطة الانتقالية، الأمر الذي عمّق الانقسام داخل الساحة الكردية بدل تعزيز وحدتها السياسية.
إن أي معالجة جدية للقضية الكردية في سوريا لا يمكن أن تقوم على مقاربات أمنية أو إدارية مؤقتة، بل يجب أن تنطلق من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس المواطنة المتساوية والشراكة الوطنية الحقيقية. فاستقرار سوريا المستقبل لن يتحقق عبر إعادة إنتاج المركزية والإقصاء بصيغ جديدة، وإنما من خلال بناء دولة ديمقراطية لامركزية عادلة تعترف بتعددها القومي والثقافي، وتكفل الحقوق والحريات لجميع أبنائها دون تمييز.
ليفانت: ميداس آزيزي
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

