الوضع المظلم
الخميس ٠٥ / فبراير / ٢٠٢٦
Logo
  • سوريا بين المشروعين التركي والإسرائيلي: لماذا خسرت قسد المعركة؟

سوريا بين المشروعين التركي والإسرائيلي: لماذا خسرت قسد المعركة؟
هوزان يوسف

منذ سقوط نظام بشار الأسد وصعود قيادة جديدة إلى دمشق، دخلت سوريا مرحلة مختلفة كليًا من الصراع. لم تعد البلاد ساحة نزاع داخلي فقط، بل تحولت إلى مسرح تنافس إقليمي مفتوح بين مشاريع متعارضة، في مقدمتها المشروعان التركي والإسرائيلي. وفي قلب هذا التنافس، وجدت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نفسها عالقة بين حسابات أكبر منها، لتنتهي في موقع الخاسر الأكبر.

مشروعان… وساحة واحدة

المشروع الإسرائيلي، انطلاقًا من الجولان السوري المحتل، سعى إلى تثبيت وضع أمني طويل الأمد، مع طموح غير معلن لفتح مسار نفوذ باتجاه الجنوب السوري، وربما لاحقًا نحو الشرق، مستفيدًا من هشاشة المركز السوري وتفكك السلطة. غير أن هذا المشروع، رغم تفوق إسرائيل العسكري، بقي محدود الأدوات داخل العمق السوري.

في هذا السياق، جرى تداول مفهوم ما يُعرف بـ“ممر داوود” في بعض التحليلات الإقليمية، بوصفه تصورًا استراتيجيًا غير معلن يهدف إلى ربط الجولان السوري بمناطق نفوذ أوسع داخل سوريا. ورغم أن هذا الطرح لم يُقدَّم يومًا كسياسة إسرائيلية رسمية، إلا أنه شكّل جزءًا من المخاوف الإقليمية التي غذّت التنافس على الساحة السورية.

في المقابل، تحركت تركيا بسرعة أكبر وبأدوات أكثر مباشرة. فأنقرة تنظر إلى أي كيان كردي منظم في شمال سوريا على أنه تهديد استراتيجي، بغض النظر عن طبيعته أو تحالفاته. ومع التحول السياسي في دمشق، رأت تركيا فرصة لإعادة رسم موازين القوة على الأرض قبل أن تتبلور أي تسويات دولية مستقرة.

السباق التركي: السرعة قبل السياسة

ما ميّز التحرك التركي أنه لم ينتظر اكتمال التفاهمات الإقليمية أو الدولية، بل اندفع ميدانيًا عبر توسيع نفوذه في الشمال السوري، وتعزيز علاقاته مع العشائر العربية، وإعادة تدوير الفصائل المسلحة ضمن أطر تخدم استراتيجيته الأمنية والسياسية.

هذا التمدد لم يكن مجرد إجراء أمني، بل مشروعًا يهدف إلى كسر أي توازن قد يسمح لقسد بالتحول إلى فاعل سياسي مستقر طويل الأمد، قادر على فرض نفسه في معادلة سوريا الجديدة.

إسرائيل: نفوذ بلا عمق

رغم أن إسرائيل تملك قوة ردع واضحة، فإن حضورها في سوريا بقي محصورًا في نطاق الجولان. فهي تفتقر إلى حاضنة محلية داخل العمق السوري، ولا تملك أدوات سياسية يومية لإدارة مناطق نفوذ خارج حدود سيطرتها المباشرة. وبهذا المعنى، بقي مشروعها محدودًا مقارنة بالمشروع التركي الذي تحرك بمرونة أكبر وعلى مستويات متعددة.

قسد: بين الحسابات الخاطئة والواقع القاسي

قسد، التي راهنت على توازن دولي هش، وجدت نفسها في موقع بالغ الحساسية. فهي لم تنجح في التحول إلى شريك سياسي سوري معترف به، ولم تحصل في الوقت نفسه على ضمانات دولية طويلة الأمد تحمي موقعها. ومع تصاعد التنافس التركي–الإسرائيلي، لم تُعامَل قسد كحليف استراتيجي، بل كورقة ضمن لعبة أكبر، ما أدى إلى تراجع نفوذها السياسي وخسارتها لمساحات تأثير كانت تملكها سابقًا.

لا يمكن قراءة هذا التنافس الإقليمي بمعزل عن الدور الأميركي، بوصفه الراعي غير المعلن لمعظم أطراف المشهد. فالولايات المتحدة، التي حافظت على علاقات استراتيجية مع تركيا وإسرائيل، وفي الوقت نفسه قدمت دعمًا عسكريًا لقسد، لم تعمل على تحويل هذا الدعم إلى مظلة سياسية طويلة الأمد. ومع تراجع الانخراط الأميركي المباشر، وجدت قسد نفسها مكشوفة أمام صراع المشاريع الإقليمية، دون ضمانات حقيقية تحمي موقعها.

من ربح ومن خسر؟

إذا ما نظرنا إلى الخريطة والنتائج الميدانية، تبدو الصورة واضحة:

تركيا حققت توسعًا فعليًا ونفوذًا اجتماعيًا وسياسيًا في الشمال السوري، فيما ثبّتت إسرائيل وضعها في الجولان دون اختراق استراتيجي أوسع. أما قسد، فكانت الخاسر الأوضح، إذ تآكل مشروعها السياسي دون أن يُستبدل بضمانات حقيقية أو مسار واضح للمستقبل.

الخلاصة

لم تكن خسارة قسد نتيجة هزيمة عسكرية مباشرة، بل نتيجة صراع مشاريع إقليمية تجاوزتها. ففي سوريا ما بعد الأسد، لم يعد كافيًا امتلاك السلاح أو الدعم المؤقت، بل القدرة على التحول إلى جزء من معادلة إقليمية مستقرة. وحتى الآن، لم تتمكن قسد من تحقيق ذلك، لتبقى عالقة بين مشاريع الآخرين، تدفع ثمن تنافس لا تملك مفاتيحه.

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!