-
ثورة الكرامة في إيران: مواجهة البربرية بصمود الشعب والمقاومة
في قراءة تحليلية استراتيجيّة للواقع الإيراني الراهن، تتجلى انتفاضة واسعة في إيران ليست مجرد استعراض غضب شعبي، بل معركة وجودية بين إرادة الإنسانية في الداخل وخيارات البربرية التي تمثلها أذرع الاستبداد منذ حكم الشاه وصولاً إلى نظام الملالي. هذه المعركة تتجاوز حدود الداخل الإيراني لتطال الشرعية الدولية والقيم المدنية التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الشعوب والدول.
الانتفاضة: من رفض النظام إلى مواجهة استراتيجية
بدأت الانتفاضة في إيران كرد فعل على سياسات قمعية طويلة الأمد، لكنها تطورت سريعاً إلى حركة واسعة الرفض والسيادة الشعبية، ترفض نموذجَي الاستبداد القديم والحديث. ما يميز هذه الحركة هو خروجها عن الإطار العرَضي للاحتجاجات التقليدية، لتتبنى مطالب عميقة للكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.
في المقابل، يقف نظام الملالي – كامتداد لأدوات القمع التي ورثها النظام الشاهنشاهي – في مواجهة مباشرة مع مطالب المجتمع. والصراع بين الطرفين لم يعد مجرد تناحر سياسي داخلي، بل اختبار عالمي لمدى قدرة المجتمع الدولي على الفصل بين الأنظمة وشعوبها وتأمين حقوق الإنسان الأساسية.
إجماع دولي متنامٍ: من البرلمان الإيطالي إلى الصحافة الأوروبية
في مؤشر لا يمكن تجاهله، أصدرت لجنة برلمانية إيطالية حديثاً بياناً واضحاً يصف دعم الانتفاضة والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بأنه واجب أوروبي. هذا الموقف لا يعكس مجرد تضامن رمزي، بل تعبيراً عن تنامي الضغط الأخلاقي والقانوني على أوروبا للوقوف مع تطلعات الشعب الإيراني، بعيداً عن المصالح الاقتصادية الضيقة مع طهران.
كما لاحظت صحف عالمية مرموقة، من بينها صحيفة "تراو" الهولندية، أن ما يحدث في إيران يتجاوز الاحتجاجات الاجتماعية إلى حركة تحرر مدنية تطالب بحقوق أساسية، وتتصدى لقمع ممنهج على أساس الجنس، والعرق، والموقع الاجتماعي. لقد اختارت هذه الصحف – التي لا تُتهم بسهولة بالانحياز السياسي – استخدام لغة تصف الانتفاضة كمأزق أخلاقي أمام المجتمع الدولي.
تُجمع هذه الاتجاهات العالمية على أن إيران اليوم ليست بمعزل عن السياق العالمي لحقوق الإنسان، وأن القمع الداخلي لا يمكن أن يظل شأناً محلياً محضاً عندما يمس أبسط معايير الكرامة الإنسانية.
المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية: بديل سياسي وتحالف اجتماعي
برز المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كمظلة سياسية تمثّل مختلف قطاعات المعارضة الإيرانية، وتقدّم استراتيجية واضحة للخروج من الاستبداد. يحظى المجلس بدعم واسع بين ناشطين حقوقيين وسياسيين دوليين، ليس لأنه فقط يرفض النظام القائم، بل لأنه يقترح خريطة طريق واضحة نحو نظام ديمقراطي مدني.
تكمن أهمية المجلس في قدرته على دمج فئات اجتماعية متعددة تحت منصة موحّدة، تمزج مطالب الحرية الفردية وحقوق المرأة والأقليات مع رؤية سياسية قابلة للتطبيق. وهو ما يميّزه بوضوح عن توجهات فئوية ضيقة بقيت حبيسة الشعارات، عاجزة عن الارتقاء بمطالب الشعب إلى مشروع سياسي واقعي ومتماسك.
النتائج الميدانية: صمود المواطن مقابل قمع النظام
على الأرض، يثبت المواطن الإيراني – في المدن الكبيرة والقرى الصغيرة على حد سواء – أن المعركة ليست لحظة غضب عابر، وإنما صمود طويل الأمد أمام آلة قمع متطورة. لقد واجه النظام احتجاجات متكررة بقوة السلاح، وبالاعتقالات الجماعية، وبسياسات ترهيب تستهدف النساء والشباب بشكل خاص، لكن الإرادة الجماعية لم تنكسر.
هذا الصمود مكن الانتفاضة من تجاوز حدود جغرافية وتقسيمات اجتماعية، ليصبح تمثيلاً حقيقياً لغضب مجمع على نمط حكم يرفضه الإيرانيون كافة.
الخاتمة: لحظة اختبار للقيم الدولية
ما يجري في إيران اليوم هو اختبار حقيقي للمجتمع الدولي بين الدفاع عن القيم الإنسانية أو الانكفاء خلف مصالح آنية. إذا كانت الإنسانية تعني شيئاً في عالم اليوم، فإن دعم صمود المواطنين الإيرانيين ومنظماتهم المدنية يجب أن يكون في صلب أي سياسات خارجية تُدّعى احترام حقوق الإنسان. هذه ليست مجرد احتجاجات؛ إنها ثورة ضد البربرية وتأكيد على أن الشعوب، عندما تُحرم من كرامتها، ستطالب بها بأساليب تُحفر عبر الزمن.
د. سامي خاطر، أكاديمي وأستاذ جامعي
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

