الوضع المظلم
الأربعاء ٠٤ / مارس / ٢٠٢٦
Logo
حبور الموت.. انتقام واغتيال وفوضى
إبراهيم جلال فضلون

في فلسفة الثأر والحروب المنسية، يقول الفيلسوف الصيني صن تزو: "في خضم الفوضى، هناك فرصة أيضاً". لكن في الشرق الأوسط، يبدو أن الفوضى هي "الفرصة" الوحيدة التي يجيد الجميع اقتناصها، فالحروب لا تبدأ حين تُطلق الرصاصة الأولى، بل حين يقتنع طرفان أن الصمت أخطر من النار، وها هُنا، لا يُخاض الصراع دائماً بالجيوش، بل بالأذرع، فنحن نعيش في منطقة وصفها البعض بأنها "حديقة أهوال"، حيث لا تُكتب الجغرافيا بالمداد، بل بدماء القادة الذين يسقطون في "نهر الاغتيالات" الجاري، واليوم، وفي أعقاب عملية "الغضب الجارف" الترامبية الشعبوية و"خوار النتن-ياهو" الإسرائيلية، لم يعد السؤال: "هل ستقع الحرب؟"، بل "كيف سيتم ترتيب جنازة الاستقرار الإقليمي؟".

إن طهران منذ عقود تعتمد على استراتيجية “العمق غير المباشر”، عبر دعم قوى محلية حليفة في عدة ساحات بأذرع في شبكة من الجماعات الوكيلة لها، وتعيش الآن حالة من "الارتباك الاستراتيجي" بعد فقدان "البند الثابت" في المعادلة، وهو المرشد الأعلى.

فالعراق: حشد شعبي وقوة موازية كونهُ جزءاً من بنية الحكم ولديها مصالح اقتصادية واسعة، يُقدَّر عدد المنتسبين ضمن تشكيلاته المختلفة بنحو 150 إلى 180 ألف عنصر، مما يجعل دخولها في مواجهة مفتوحة "تهديداً مباشراً لمكتسباتها"، فقد شهدت القواعد التي تستضيف قوات أمريكية في العراق وسوريا بين 2024 و2025 عشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في إطار ما يُعرف بسياسة “الضغط المتدرج” لإجبار واشنطن على تقليص وجودها.

أما لبنان أي حزب الله هو قوة ردع إقليمية يظل الطرف الأكثر ترابطاً عقائدياً مع طهران خارج حدودها، ومع كونه الأقرب جغرافياً لإسرائيل، فإنه يواجه خطر "الاجتياح المباشر" وتدميراً عسكرياً يفوق ما قد تتعرض له أي جبهة أخرى، لذا يمتلك الحزب ترسانة صاروخية تُقدَّر بعشرات الآلاف من الصواريخ، بينها دقيقة الإصابة. كما تشير تقديرات غربية إلى أن ميزانيته السنوية المدعومة من طهران قد تتجاوز مئات الملايين من الدولارات، رغم الضغوط الاقتصادية.

أما سوريا الجريح فهو في تموضع استراتيجي، عززت إيران وجودها عبر مستشارين عسكريين وقوات رديفة، إضافة إلى خطوط إمداد تمتد من طهران إلى المتوسط. فبعد عقود من التحصن، يواجه النظام السوري خطر "التعرية" من حلفائه، مما قد يدفع نحو تحولات دراماتيكية في هرم السلطة بدمشق، ورغم الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة، حافظت طهران على قدرة إعادة الانتشار، ما يعكس استراتيجية “الصبر العملياتي” بدلاً من المواجهة المباشرة.

وأخيراً حوثي اليمن وقدراتها الصاروخية والبحرية، بحسابات دقيقة؛ يمكنها توسيع رقعة الاشتباك وقدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر ورغم ذلك تشير تقديرات أمنية إلى أن تكلفة تطوير هذا النوع من القدرات تبقى محدودة نسبياً مقارنة بأثرها الجيوسياسي الواسع. كما أن أي تغير جذري في النظام الإيراني قد يقطع مواردهم ويجبرهم على مراجعة شاملة لآليات بقائهم.

إن التوتر بين طهران وواشنطن لم ينقطع منذ اغتيال قاسم سليماني عام 2020، وهو حدث لا يزال يُستحضر في الخطاب الإيراني الرسمي بوصفه “ديناً مؤجلاً”.، وقد زاد الخطاب التصعيدي مع وجود إدارة ترمب (اللأ-أمان لها)، وهو ما يعني تلقائياً انتقال الصراع إلى الداخل الأمريكي، لاسيما بعد قتل جنود امريكان لأجل حرب إسرائيلية كارثية، ليذوق أبناء أميركا حبور الموت وهلاك طائراتهم كطائر الحباري اللعوب، إذ تشير التقديرات إلى أن طهران، رغم الضربات، لا تزال تمتلك مخزوناً من الصواريخ الباليستية يفوق عدد الصواريخ المضادة لدى الولايات المتحدة في المنطقة، بدليل "تطاير الشظايا الإيرانية" التي استهدفت أهدافاً مدنية وقواعد في الإمارات، البحرين، قطر، الكويت، الأردن، وحتى عُمان.

والنتيجة رغم تبادل الهجمات الحادة، فإن الحسابات الاستراتيجية للطرفين تُظهر حرصاً على تجنب حرب إقليمية كبرى قد تُسبب رفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، وتخفض النمو العالمي بما بين 0.5 و1% وبالتالي إعادة شبح الركود التضخمي العالمى.

إن سيناريوهات الانتقام كثيرة، فهل اقتربت "ساعة الصفر" لترامب أو نتينياهو وغيرهم؟. في ظل معادلة "الصراع الصفري" ، تبرز احتمالات انتقامية تتجاوز حدود المنطقة، فالتنبؤ باغتيال ترامب الذي اتخذ القرار "الذي لم يتجرأ عليه أسلافه" باغتيال سليماني سابقاً، وهو اليوم يقود حملة لإسقاط النظام وتدمير صناعته الصاروخية بالكامل قد يكون، فالمؤشرات الاستخباراتية تتحدث عن تحضير خلايا نائمة لعمليات داخل العمق الأميركي، وأن هناك رغبة لطهران في "قطع الرأس" هدفاً استراتيجياً لاستعادة الهيبة المهدورة، رداً على سياسة "قطع الرأس" التي انتهجها نتنياهو وترمب.  

هناك تمايز واضح في فلسفة الرد بين الطرفين وطبيعة الرد بين "الجراحة" ونزيف "الحرب المفتوحة" في عمليات جراحية تنتهجها إسرائيل وأميركا حالياً عبر اغتيال قيادات الصف الأول (خامنئي نموذجاً)، أما سيناريو الحرب المفتوحة الأرجح أن تتدحرج إليه المنطقة، حيث لا "خطوط حمراء". فقد تلجأ إيران للعمليات السرية بعيداً عن الأضواء، مستلهمة تجارب تاريخية في "تصدير الأزمة" للخارج عبر تفجيرات أو اغتيالات دقيقة لشخصيات سياسية وعسكرية في الغرب ضد ماما أميركا" والابنة السيكوباتية.

وفي هذا المشهد، تبدو الولايات المتحدة التي تنجرف خلف رغبات "ابنتها العاقة" إسرائيل؛ وكأنها مريضة نفسية تُغرر بوالدتها لدخول "حبور الموت" الشامل.. ذلك الموقف المرفوض من الموقف المصري-السعودي وإدانة الاعتداءات السافرة على أجواء الدول الشقيقة، ووقوفهما بأخوة الأمن العربي.. فقوة مصر تمثل مصر "بيضة القبان" في دعم دول الخليج عسكرياً وسياسياً، حيث تشير بيانات التعاون حتى 2026 إلى تنسيق عالي المستوى لمنع انهيار ممرات الطاقة وإغلاق المضايق، ف التدخل المصري غير المباشر يهدف إلى "كبح جماح" الطموحات الإيرانية دون الانزلاق إلى مواجهة تخدم الأجندة الإسرائيلية الساعية لإعادة تشكيل المنطقة بالكامل.

إن اغتيال خامنئي ليس مجرد غياب زعيم، بل هو "زلزال" هز أركان نظام "الولي الفقيه" الذي يمسك بكل الخيوط، وصدق المثل "من يزرع الريح يحصد العاصفة"، فالمنطقة اليوم تقف أمام مفترق طرق: (إما قبول الشروط الأميركية القاسية (تصفير النووي ووقف الوكلاء) أو السقوط في هاوية الحرب الممتدة التي لا تُبقي ولا تذر).

وكما يقال: "الحرب هي المكان الذي يقتل فيه مشاة لا يعرفون بعضهم البعض، من أجل قادة يعرفون بعضهم البعض ولا يقتلون بعضهم البعض".. ولكن في 2026، يبدو أن القادة بدأوا يسقطون أولاً.

ليفانت: د. إبراهيم جلال فضلون

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!