-
قلبٌ على الحافة: اعتراف بزشكيان بانهيار نظام الملالي واستنفاد قدرته على الصمود
-
إقرار علني بأزمة وجودية
في خطاب ألقاه يوم 18 فبراير في مدينة خرم آباد، وبثته قناة "أفلاك" الرسمية، قدّم مسعود بزشكيان، رئيس حكومة الولي الفقيه، توصيفاً غير مسبوق لحالة النظام، مشبهاً إياه بـ قلبٍ ينبض على الحافة لا يحتمل أي ضغط إضافي. هذا التشبيه لم يكن زلة لسان أو توصيفاً عاطفياً، بل يعكس إدراكاً داخلياً بانهيار السعة الاستيعابية للنظام. عندما يقرّ رأس السلطة التنفيذية بأن البنية السياسية والاقتصادية بلغت حدّ الإنهاك، فإن ذلك يعني أن النظام لم يعد يمتلك هامش المناورة الذي سمح له سابقاً بامتصاص الصدمات.
في السياق الاستراتيجي، يُعدّ هذا التصريح بمثابة وثيقة اعتراف رسمي باستنفاد القدرة على إدارة الأزمات، سواء كانت اقتصادية، أو اجتماعية، أو أمنية. نظامٌ يعترف بأن أي ضغط إضافي قد يفجّر أزماته المتراكمة، هو نظام دخل مرحلة الدفاع الوجودي.
استعارة القلب المريض: نهاية المرونة البنيوية
استعان بزشكيان بخلفيته الطبية ليقدم توصيفاً دقيقاً للهشاشة البنيوية التي تعصف بالنظام. قوله إن "أي ضغط إضافي سيؤدي إلى انفجار المشاكل واحدة تلو الأخرى" يعني عملياً أن آليات الاحتواء تعطلت. لم يعد بالإمكان شراء الوقت عبر القمع وحده، ولا عبر المناورات الخطابية، ولا حتى عبر الوعود الإصلاحية.
هذا الإقرار يتزامن مع تصاعد الاحتجاجات القطاعية، وتفاقم الأزمات المعيشية، وتراجع الثقة العامة في مؤسسات الحكم. في الحسابات السياسية، حين يفقد النظام قدرته على امتصاص الصدمة الأولى، تصبح كل صدمة لاحقة مضاعِفة للأثر، وتتحول التراكمات إلى انفجار متسلسل.
جغرافية الغضب: اعتراف بالظلم الممنهج
الأخطر في خطاب بزشكيان لم يكن توصيف الأزمة، بل اعترافه الصريح بأن انعدام العدالة يطال أقاليم متعددة: من أذربيجان إلى سيستان وبلوشستان، ومن خوزستان إلى خراسان. هذا الاعتراف ينسف السردية الرسمية التي طالما نسبت الاحتجاجات في تلك المناطق إلى "مؤامرات خارجية".
عندما يعترف رئيس الحكومة بأن المجتمع "مصاب بجرح عميق" وأن الناس "غير راضين"، فإن ذلك يعني أن المظلومية لم تعد ادعاء معارضين، بل توصيفاً رسمياً. من منظور استراتيجي، هذا الإقرار يضعف قدرة النظام على تبرير القمع، ويعزز مشروعية الاحتجاج باعتباره نتاجاً لسياسات تهميش ممنهجة، لا لتحريض خارجي.
الانسداد الهيكلي: سلطة بلا قدرة تنفيذ
كشف بزشكيان أيضاً عن حالة شلل داخلي حين أقرّ بوجود "عوائق لا تسمح له بالقيام بالعمل". هذا التصريح يسلّط الضوء على حقيقة بنيوية: السلطة التنفيذية ليست صاحبة القرار الفعلي، بل إن مراكز القوة الحقيقية تتمثل في الحرس الثوري ومكتب الولي الفقيه.
بهذا المعنى، فإن ما يسمى بـ "الإصلاح من الداخل" يبدو خياراً نظرياً بلا أدوات عملية. النظام يعاني من انسداد مؤسسي يجعل أي محاولة لتعديل المسار تصطدم بجدران السلطة الصلبة. هذا الانسداد يضاعف الإحباط الشعبي، لأنه يؤكد أن حتى النخب الرسمية تعترف بعجزها أمام بنية الحكم الأمنية – العقائدية.
الخوف من المواجهة: مساومة أم استغاثة؟
في شطر آخر من خطابه، تساءل بزشكيان: "هل نتشاجر؟ هل نتقاتل؟" داعياً إلى تنازلات متبادلة. كما أبدى قلقاً من المواجهة الخارجية، قائلاً إنهم لا يريدون الحرب، لكنهم لا يقبلون "الإذلال". هذا التذبذب يعكس مأزقاً استراتيجياً مزدوجاً: خوفاً من انفجار داخلي لا يمكن السيطرة عليه، وخشية من ضغط خارجي قد يسرّع الانهيار.
الدعوة إلى "تنازلات" تبدو محاولة لشراء الوقت، لا لتقديم حل جذري. فالنظام الذي يعترف بأن قلبه على وشك التوقف، لا يطلب الإصلاح، بل يطلب تخفيف الضغط. غير أن تخفيف الضغط لا يعالج المرض البنيوي، بل يؤجل لحظة الانفجار.
الخلاصة: اعتراف بالهزيمة من الداخل
تصريحات خرم آباد تمثل أكثر من خطاب سياسي؛ إنها إقرار بهزيمة داخلية قبل وقوعها الكامل. حين تعترف القيادة بأن النظام يعيش على الحافة، فإنها ترسل رسالة ضمنية مفادها أن الاستقرار الظاهري يخفي هشاشة عميقة.
في ميزان السياسات والنتائج، يبدو أن النظام فقد أدوات إعادة إنتاج نفسه بنفس الكفاءة السابقة. القمع لم يعد كافياً، والخطاب الأيديولوجي فقد تأثيره، والاقتصاد يعاني إنهاكاً مزمناً. أمام هذا المشهد، فإن أي موجة ضغط جديدة — داخلية أو خارجية — قد تتحول إلى العامل الحاسم.
إن نظاماً يقرّ قادته بأن بنيته القلبية على وشك الانفجار، هو نظام دخل مرحلة العد التنازلي السياسي. والسؤال لم يعد ما إذا كانت الأزمات ستنفجر، بل متى وكيف، ومن سيمتلك القدرة التنظيمية لملء الفراغ الذي سيخلّفه انهيار هيكل أثبت بنفسه أنه لم يعد قادراً على النبض.
عبدالرزاق الزرزور محامي و ناشط حقوقي سوري
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

