الوضع المظلم
الأربعاء ١٤ / يناير / ٢٠٢٦
Logo
  • مسارٌ بلا عودة: الانتفاضة الإيرانية تتخطى نقاط الاحتواء وترسم ملامح البديل الحر

  • الواقع الجديد: الثورة الإيرانية من الغضب المطلبي إلى الزلزال السياسي
مسارٌ بلا عودة: الانتفاضة الإيرانية تتخطى نقاط الاحتواء وترسم ملامح البديل الحر
عبدالرزاق الزرزور

لم تعد التحركات الشعبية في إيران مجرد هبات عفوية أو موجات غضب عابرة يمكن للنظام الالتفاف عليها بوعود إصلاحية واهية. ما نشهده اليوم هو تحول نوعي وجذري في معادلة الصراع بين المجتمع والدولة؛ حيث يواجه نظام الملالي أزمة شرعية بنيوية مستعصية تهدد وجوده من القواعد. إن زخم الانتفاضة واتساع رقعتها الجغرافية والاجتماعية يؤكدان أن الشعب الإيراني قد كسر حاجز الخوف بشكل نهائي، محولاً حلم التغيير من مجرد احتمال نظري إلى مسار عملي مفتوح على خيارات الحسم.

وحدات المقاومة: محرك التنظيم ومؤسس البديل الميداني

إن الميزة الجوهرية لهذه المرحلة من النضال الإيراني هي التلاحم بين العنفوان الشعبي والتنظيم الميداني المحكم. لم يعد الحراك يفتقر إلى القيادة، بل أصبح فعلاً سياسياً واعياً تقوده "وحدات المقاومة" التي استلهمت خبراتها من عقود من التضحية والصمود. وهنا تبرز منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية كركيزة أساسية، ليس في التعبئة والتحفيز فحسب، بل في كسر هيمنة النظام على الفضاء العام وتقديم مشروع سياسي متكامل للدولة القادمة. هذا الصمود الأسطوري للمواطنين أمام آلة القمع يثبت إدراكاً جمعياً بأن كلفة المواجهة من أجل الحرية تظل أقل بكثير من كلفة الصمت تحت وطأة الاستبداد.

تآكل آلة الترهيب: عندما يتحول القمع إلى وقود للثورة

لقد استنفد النظام الإيراني ترسانته التقليدية في القمع؛ من التصعيد الأمني والاعتقالات الجماعية وصولاً إلى التضليل الإعلامي. إلا أن هذه الأدوات، التي كانت تنجح سابقاً، باتت اليوم فاقدة لمفعولها الردعي. القمع في المرحلة الحالية لا يؤدي إلى التراجع، بل يغذي روح المقاومة ويسرع من عملية التفكك الداخلي في المؤسسات الأمنية للنظام. المؤشرات المتلاحقة تؤكد أن مراكز القرار في طهران تعيش حالة من الارتباك الاستراتيجي، مع فقدان السيطرة التدريجي على الشارع المشتعل.

اصطفاف دولي جديد: سقوط رهان "المهادنة" وتصاعد الدعم للمقاومة

على الساحة الدولية، نلمس تحولاً كبيراً في بوصلة القوى الكبرى والمؤسسات الحقوقية. مواقف لجان التضامن البرلمانية، لاسيما في أوروبا وألمانيا، بدأت تتبنى لغة أكثر وضوحاً في دعم حق الشعب الإيراني في الدفاع عن نفسه، والوقوف الصريح إلى جانب "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية". هذا التحول يعكس قناعة دولية متزايدة بأن الاستقرار في الشرق الأوسط يمر عبر طهران حرة، وأن المراهنة على بقاء النظام باتت خياراً خاسراً أخلاقياً وسياسياً.

الإعلام العالمي: من التغطية الإخبارية إلى نزع الشرعية

لم يعد الإعلام الدولي يكتفي بنقل أخبار الاحتجاجات كهامش، بل انتقل إلى توصيفها كثورة شعبية شاملة ذات أفق تغييري واضح. هذا الزخم الإعلامي ساهم في تعرية الرواية الرسمية للنظام ونزع الشرعية عنه أمام الرأي العام العالمي، مما وفر حماية معنوية للمنتفضين في الداخل وضيق الخناق على محاولات النظام لارتكاب جرائمه في الخفاء.

خارطة طريق للمستقبل: من التضامن اللفظي إلى الاعتراف السياسي

تفرض اللحظة التاريخية الراهنة على المجتمع الدولي الانتقال من خانة "المراقب" إلى خانة "المؤيد الفاعل". إن إنهاء سياسة المهادنة لم يعد مطلباً أخلاقياً فحسب، بل هو ضرورة استراتيجية. إن الخطوة الأساسية تبدأ بالاعتراف السياسي بـ "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" كبديل ديمقراطي شرعي وممثل حقيقي لتطلعات الشعب الإيراني. كما يجب توجيه العقوبات لتستهدف العصب الأمني للنظام، ودعم المنصات الإعلامية الحرة التي تنقل صوت الداخل، وتوفير الحماية الدولية للمعارضين من ملاحقات النظام العابرة للحدود.

الخاتمة: فجر الحقيقة

إن ما يجري في إيران اليوم يؤكد أن الثورة أصبحت حقيقة واقعة لا يمكن طمسها. صمود الشعب، ووضوح رؤية البديل السياسي، وتحول المزاج العالمي، كلها عناصر تشير إلى أن نظام الاستبداد يمر بأيامه الأخيرة. العالم اليوم يقف أمام اختبار تاريخي: فإما الانحياز لإرادة الشعوب في الحرية، أو البقاء في مناطق الرمال المتحركة لنظام يحتضر. إن شمس إيران الحرة بدأت تشرق، وهي حقيقة لا يغيرها قمع ولا يوقفها زمن.

عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!