-
من يعبث بالجغرافيا.. يوقظ شياطين التاريخ
هذه ليست حكمة عابرة، بل خلاصة ما تشهده المنطقة الممتدة من القرن الأفريقي إلى جنوب الجزيرة العربية، فحين تصبح الجغرافيا سلاحاً: كيف يعاد تشكيل العالم من أضيق ممر مائي؟، حيث تتقاطع مشاريع التفكيك الداخلي مع صراعات السيطرة على ممرات التجارة العالمية، وفي القلب منها باب المندب والبحر الأحمر، فمن يسيطر على البحار، يسيطر على التجارة، ومن يسيطر على التجارة، يسيطر على العالم، فلا يمكننا قراءة المشهد الراهن بمعزل عن مسارات تقسيم الدول المنهكة، ولا عن التنديد الدولي المتصاعد بأي خطوات أحادية تمس سيادة الدول، لما تحمله من مخاطر تفجير حروب إقليمية ودولية متداخلة.
فمن خلاصة تاريخ الإمبراطوريات منذ أثينا وروما وصولاً إلى واشنطن وبكين. واليوم، يعود هذا القانون بقوة من بوابة باب المندب، الذي تحوّل منذ أكثر من عقد من ممر مائي مهمل في أطراف الجغرافيا إلى مركز ثقل في الصراع الدولي على النفوذ والاقتصاد والنظام العالمي، لنجد مثلثاً عربياً (الصومال والسودان واليمن) في مرمى تفكك بنيوي، رافقه انهيار مؤسسات الدولة، وانتشار المليشيات، وتدويل الصراعات، تخلق ديناميكية صدام مفتوحة.
هذه الحالات ليست معزولة عن بعضها، بل تشكل بيئة مثالية لتحويل الجغرافيا إلى أداة صراع دولي. وهنا تبرز خطورة باب المندب، الذي يقع في نقطة التقاء نادرة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، حيث تمر شرايين التجارة والطاقة التي تربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط. وتمر عبره أهم تجارة وطاقة غير مسبوقة في حجمها. فوفق بيانات هيئة قناة السويس، ارتفع عدد السفن العابرة من 16833 سفينة عام 2016 إلى 26434 سفينة عام 2023، ، أي بزيادة تقارب 57 %خلال سبع سنوات فقط. وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2023، عبرت 6383 ناقلة نفط القناة، مقابل 3645 ناقلة في الفترة نفسها من عام 2019، بزيادة وصلت إلى 70 % بما قبل جائحة كورونا، مستمراً في الارتفاع 20% خلال 2024 وبداية 2025 رغم الاضطرابات.
وبالتوازي تمر فيه نسبة كبيرة من تجارة الصين والهند واليابان وروسيا وأوروبا، إضافة إلى معظم تجارة دول "بريكس". إذاً أي اعتراف أو خطوة أحادية تمس وحدة دول القرن الأفريقي، كالهشيم في النيران أو سكب الزيت على النار، ليس دفاعاً عن السودان أو الصومال وحدها، بل خشية من فتح باب جهنم يتربص به الاستعمار الأوربي القديم. فالعالم يدرك أن شرعنة التفكك في هذه المنطقة أنه يهدد نحو 30 % من التجارة البحرية العالمية، ويضرب استقرار أسواق الطاقة التي ما زالت، حتى عام 2025، تعتمد بنسبة تفوق 80 % على النفط والغاز. كما ارتفعت صادرات النفط الروسي المارة عبر القناة من نحو 130 ألف برميل يومياً عام 2016 إلى قرابة 3.5 مليون برميل يومياً عام 2023، بعد العقوبات الغربية وتحول موسكو القسري نحو آسيا. وفي الوقت ذاته، زادت صادرات السعودية من موانئها على البحر الأحمر من 1.3 مليون برميل يومياً عام 2019 إلى 1.6 مليون برميل يومياً عام 2022، إضافة إلى توسع مصافٍ خليجية عملاقة ستصدر منتجاتها إلى أوروبا عبر هذا المسار بعد إغلاق أو تقليص المصافي الأوروبية.
إذاً: سياسياً، تكشف قرارات مجلس الأمن خلال الأعوام الأخيرة عجز النظام الدولي عن معالجة جذور الصراع، والاكتفاء بإدارة الأزمات. أما اقتصادياً، فأي اضطراب فيه لا يعني تأخير سفن فحسب، بل ينعكس مباشرة على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، والتضخم، وأسواق المال، بات جزءاً من الحرب التجارية والاقتصادية الكبرى بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وروسيا وأوروبا من جهة أخرى تكلفتها مليارات الدولارات سنوياً، وهو ما يضغط على الاقتصادات الناشئة والمتقدمة على حد سواء.
وسط هذا التصاعد الاستثنائي هناك واقع جيوسياسي بسيط، يؤكد أن الموضوع أكبر بكثير من حماية سفن تجارية، فالولايات المتحدة أدركت أن البحر الأحمر وباب المندب باتا قلب الصراع الاقتصادي العالمي، فقررت تكثيف وجودها العسكري لحمايتهما، لكنها احتاجت إلى سبب علني ومقبول دولياً، وهو الاضطرابات الأمنية، وهنا يبرز دور الاحتلال الإسرائيلي بوصفه عاملاً مخرباً في إعادة تشكيل النفوذ البحري. باعترافه المخزي كالعادة الدولية بـ«أرض الصومال» ككيان مستقل في ديسمبر الأخير، رغم الإدانات الواسعة، فموقع أرض الصومال على خليج عدن يمنح أي وجود عسكري أو استخباري فيها قدرة مباشرة على مراقبة أحد أخطر وأهم الممرات البحرية في العالم. بل وتسعى إلى تثبيت نفسها كحليف لا غنى عنه للولايات المتحدة، وكأن إسرائيل تحاول أن تقول للأميركيين إنها لا تحمي مصالحها فقط، بل تحمي التجارة العالمية، وأمن الطاقة، والدولار الأميركي، وتساعد في تطويق الصين وروسيا اقتصادياً. رغم تصاعدت أصوات داخل التيار الجمهوري نفسه تشكك في كلفة الارتباط غير المشروط بإسرائيل متذكرين بحرب غزة وتكلفتها، وحرب افغانستان وانسحاب أمريكا المخزي منها، لذا فتحويل مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح لا يخدم اقتصادياً سوى طرف واحد يمتلك المرونة والقدرة على امتصاص الكلفة، بينما يدفع الآخرون أثماناً باهظة في التأمين والشحن والتضخم.
مثلث السيناريوهات حتى نهاية 2025 :
كل خطوة أحادية تقابلها خطوة مضادة، وكل اعتراف خارج الإجماع الدولي يفتح شهية أطراف أخرى للمطالبة بالانفصال أو فرض أمر واقع بالقوة. هكذا الحروب العظمى لا تبدأ من ميادين القتال، بل من كسر القواعد.. وإذا استمر العبث بجغرافيا الدول الهشة، فإن باب المندب قد لا يكون مجرد مضيق للتجارة، بل بوابة جحيم، لن يخرج منها أحد رابحاً.
ثلاثة مسارات محتملة وفي كل منها، يبقى البحر الأحمر مركزاً للصراع الاقتصادي أكثر منه ساحة حرب تقليدية.
أولها: احتواء أمني هشّ يبقي المنطقة على صفيح ساخن.
ثانيها: تصعيد متقطع يرفع كلفة التجارة العالمية ويضغط على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية،
وأخيراً: انزلاق أوسع يجعل باب المندب نقطة اشتعال دائمة في النظام الدولي الجديد، يحتاج حلولاً لتتجاوز القوة العسكرية وحدها، عبر تفعيل آليات الأمن البحري الدولي، وضمان حرية الملاحة، وفصل التجارة العالمية عن الابتزاز السياسي، إلى جانب دعم التنمية الاقتصادية في دول القرن الأفريقي واليمن، حيث يولد الفراغ الأمني. فالتاريخ أثبت أن المدافع تحمي الممرات مؤقتاً، لكن الاستقرار الدائم تصنعه المصالح المشتركة.
"من لا يقرأ الجغرافيا جيداً، يقرأ التاريخ من زاوية الخسارة"، وباب المندب اليوم ليس مجرد مضيق، بل اختبار لقدرة العالم على إدارة صراعه الاقتصادي من دون أن يتحول إلى حرب شاملة. فمن يزرع السيطرة وحدها قد يحصد الفوضى، أما من يزرع التوازن فيحصد الاستقرار.
د. إبراهيم جلال فضلون
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

