الوضع المظلم
الإثنين ١٢ / يناير / ٢٠٢٦
Logo
إقليم بلا زمن مالي: كيف ضاع حلم الدولة بين الأحزاب؟
د. جوتيار تمر

لم يعد تأخير رواتب موظفي إقليم كوردستان منذ عام 2014 حدثا طارئا أو نتيجة ظرف اقتصادي عابر، بل تحول إلى بنية ثابتة في نظام الحكم، وإلى ممارسة سياسية مطبعة، يراد للمجتمع أن يتعايش معها بوصفها قدرا لا يناقش؛ أحد عشر عاما من الرواتب الناقصة، وأشهر تمحى سنويا من التقويم المالي، في إقليم يمتلك النفط والحدود والمؤسسات، ليس أزمة نفط ولا خلافا مع بغداد، بل فشلا عميقا في فهم معنى الادارة – الدولة- .

الدولة – الاقليم - لا تقاس بعدد الوزارات ولا بحجم الخطابات القومية، بل بقدرتها على تنظيم الزمن الاجتماعي لمواطنيها؛ الراتب الشهري ليس امتيازا، بل هو العقد الصامت بين السلطة والمجتمع؛ وحين تعجز سلطة ما عن الوفاء بهذا العقد، فإنها تفقد تدريجيا شرعيتها الأخلاقية، مهما كثرت أعلامها وشعاراتها.

المفارقة الصادمة أن هذا العجز يحدث بعد أكثر من 2725 عام على قيام الدولة الميدية، التي أسسها أسلاف الكورد على وحدة القرار والتنظيم، واعتمدت تقويما منتظما لإدارة المال والتجارة والحركة، في زمن لم يعرف النفط ولا البنوك ولا الموازنات الحديثة؛ أولئك فهموا أن السيطرة على الزمن تعني السيطرة على الاقتصاد، وأن الدولة التي تضبط الشهور تضبط المجتمع؛ أما نحن اليوم، وفي ظل برلمان -مؤجل – وحكومة تصريف اعمال وموارد، فلا نستطيع ضمان اثني عشر شهرا من الرواتب.

هذه ليست مقارنة رومانسية مع الماضي، بل إدانة للحاضر؛ فالتاريخ هنا لا يستدعى للتفاخر، بل ليكشف حجم الانحدار؛ كيف لمجتمع بنى كيانا سياسيا في القرن السابع قبل الميلاد أن يعجز في القرن الحادي والعشرين عن إدارة سنة مالية كاملة؟ الجواب ليس في الخارج، بل في الداخل، في تفتت القرار، وفي تحويل السلطة إلى حصص حزبية، والمال العام إلى أداة ابتزاز سياسي.

ما يجري في إقليم كوردستان ليس أزمة موارد، بل أزمة وعي؛ وعي الدولة، وعي التخطيط، وعي المسؤولية؛ اقتصاد ريعي أحادي، بلا زراعة حقيقية ولا صناعة ولا سياسة تنويع، ترك عمدا هشا ليبقى المجتمع رهينة الرواتب، وتبقى الرواتب رهينة القرار الحزبي؛ هكذا لا تبنى الدول، بل تدار الأزمات إلى ما لا نهاية.

الاحتجاجات التي تتكرر، وفقدان الثقة، ليست أعراضا جانبية، بل نتائج طبيعية لسلطة فقدت الإحساس بالزمن الاجتماعي؛ فالموظف الذي لا يعرف متى يدفع راتبه، لا يمكن أن يؤمن بالحكومة – الدولة -، ولا أن يشعر بالانتماء، ولا أن يصدق خطابات -الاستقرار والامان -و-ا لخصوصية الكوردستانية-.

إن أخطر ما في هذا المسار ليس الفقر، بل اعتياد الفشل؛ اعتياد أن تسقط الأشهر من السنة بلا محاسبة؛ اعتياد أن يطلب من المجتمع الصبر، بينما تدار الثروة خارج أي شفافية. اعتياد أن تختزل القضية الكوردية في رواتب منقوصة، بعد أن كانت مشروع شعب وكرامة وهوية.

لا خلاص من هذا الانحدار دون مواجهة صريحة؛ لا وحدة سياسية، لا تنمية، لا مؤسسات مالية مستقلة، لا دولة؛ وما لم يكسر منطق الغنيمة الحزبية، ويعاد تعريف الحكم بوصفه خدمة لا سيطرة، فإن الحديث عن التاريخ الميدي، أو عن الهوية، سيبقى مجرد زينة خطابية فوق واقع ينهار ببطء؛ فالدولة التي لا تحترم تقويمها المالي، لا تحترم شعبها؛ والتاريخ لا يرحم من يملك كل شروط النهوض ويصر على البقاء في دائرة التراجع.

ليفانت: د. جوتيار تمر

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!