الوضع المظلم
السبت ٢٩ / نوفمبر / ٢٠٢٥
Logo
  • بين الاستراتيجيات الكبرى ومسارات التغيير السعودية وتركيا والقضية الكوردية في هندسة الشرق الأوسط الجديد

بين الاستراتيجيات الكبرى ومسارات التغيير السعودية وتركيا والقضية الكوردية في هندسة الشرق الأوسط الجديد
محمود عباس

الإمبراطوريات كما الدول الصاعدة لا تُدار بمنطق الملفات الكبرى وحدها، بل تحتاج إلى شبكة مترابطة من القضايا المتمّمة التي تُغذي عمودها الفقري السياسي والاقتصادي والعسكري. فبدون هذه العناصر الثانوية، التي تبدو صغيرة في الظاهر، تفشل القضايا الكبرى وتنفرط الاستراتيجية مهما كانت قوتها. وعلى هذه القاعدة تحركت السياسة الأميركية منذ دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، حين تحوّل الخليج إلى محور ثقل رئيس في مقاربة واشنطن للشرق الأوسط، وصارت السعودية تحديدًا عقدة الاتصال بين الاقتصاد العالمي والمشروع الجيوسياسي الأميركي–الإسرائيلي، في مواجهة التمدد الإيراني وأذرعه.

ومع هذا التحول، تراجع الدور التركي في المعادلة، لا لضعف تركيا بقدر ما هو تبدّل في بوصلة الاستراتيجية الأميركية. تركيا، الدولة الثانية في الناتو، لم تعد تُرى كقائدة للعالم السني، ولا كطرف موثوق في الصراع السني–الشيعي؛ فهي تُقدّم مصالحها القومية أولًا، وتتعامل مع حلفائها بمنطق الحيوية الجيوسياسية لا الولاء المذهبي. ولهذا اقتربت من محور موسكو–طهران لسنوات، قبل أن تنتبه متأخرة إلى أن خريطة الشرق الأوسط تُعاد صياغتها، وأنها ليست خارج المخطط، بل جزء منه، لكن بطريقة مختلفة عن نموذج "الربيع العربي".

منح الغرب لكل من تركيا وإيران فرصة “التغيير الذاتي” دون تدخل مباشر. ومع أن أنقرة بدأت فعلاً مسارًا إصلاحيًا عندما حاولت إنهاء صراعها مع الحركة الكوردية الذي دمّر اقتصادها وشرّخ نسيجها الاجتماعي، فإن الدولة العميقة التركية أفشلت هذه اللحظة التاريخية، مفضّلة الحفاظ على الإيديولوجيا القومية على دخول تركيا عصرًا حضاريًا جديدًا.

في المقابل، تمضي واشنطن اليوم في تعميق تحالفها مع الخليج، وعلى رأسه السعودية، عبر مسارين:

الأول: تمكين الرأسمال السعودي داخل المنظومة العالمية الجديدة التي تقودها الشركات الأميركية الخوارزمية والصناعات العسكرية والطاقة.

الثاني: تثبيت جبهة سنية تواجه المحور الشيعي، بما يخدم أمن الخليج وإسرائيل معًا، ويعزز القدرة الأميركية على هندسة التوازنات الإقليمية.

ولهذا عُقدت صفقات السلاح الضخمة، من مقاتلات F-35 إلى قرابة 300 دبابة وأنظمة الصواريخ، التي حُجبت عن تركيا رغم محاولاتها المستميتة للحصول عليها. فالولايات المتحدة وحلف الناتو فقدا الثقة بأنقرة، ولا يريدان قوة لا يمكن التنبؤ بسلوكها، خصوصًا بعد تحوّلها إلى لاعب يقايض الجميع.

وهنا بالضبط تتقدم القضية الكوردية كأحد أركان الرؤية الأميركية الجديدة.

فواشنطن، بخلاف ما يتصوره البعض، لا تنظر إلى الكورد كقوة استراتيجية مستقلة بذاتها قادرة على تغيير موازين الإقليم منفردة، لكنها تراهم أداة بنيوية داخل منظومة الأمن الإقليمي الأميركي، وركنًا من أركان سياسة حفظ الاستقرار في المنطقة، التي تشكّلت بعد الحرب على الإرهاب.

وتبرز هذه الأهمية في ثلاثة مستويات مترابطة:

1 ـ التأثير المباشر على أمن إسرائيل وأمريكا.

وجود قوة كوردية صديقة للغرب في شمال سوريا، ولها عمق اجتماعي وسياسي في باقي أجزاء كوردستان، يُعد عنصرًا ثابتًا في معادلة الردع ضد المحور الإيراني. فالحراك الكوردي ليس مجرد لاعب محلي، بل جزء من “الهندسة الأمنية المحيطة بإسرائيل والخليج”، وهذا ما أدركته المؤسسة الأميركية الكلاسيكية والدولة العميقة قبل الإدارة الحالية بسنوات.

2 ـ وزن القضية الكوردية في العلاقة الأميركية–التركية.

واشنطن تعرف أن ملف الكورد هو “النقطة الحساسة” التي يمكن من خلالها ضبط سلوك أنقرة أو كبحه. فالتقارب أو التباعد بين البلدين يمرّ عبر هذا الملف تحديدًا.

وبالتالي، أي تقدم في الاستراتيجية الإبراهيمية، خصوصًا إذا شملت السعودية وإسرائيل، يحتاج إلى علاقة مستقرة بين واشنطن وأنقرة، وهذه الاستقرار لن يتحقق دون معالجة الملف الكوردي. لذلك تُبقي أميركا هذا الملف مفتوحًا ومتحكمًا به، لا لرفع سقف الحلم الكوردي بالاستقلال، بل لضبط التوازنات الإقليمية بما يخدم مشروعها الأكبر.

3 ـ موقع الكورد داخل استراتيجية الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط

الدولة العميقة الأميركية، التقليدية - الكلاسيكية، لا تنظر إلى الاقتصاد وحده كمحرّك للاستراتيجية، بل تعتمد على عناصر القوة الاجتماعية والسياسية على الأرض. وهنا يُدرج الحراك الكوردي كجزء من “شبكة الأدوات” التي تساعد واشنطن على الحفاظ على هيمنتها الاستراتيجية في المنطقة، تمامًا كما استخدمت واشنطن إسرائيل والخليج وقواعدها العسكرية منذ نصف قرن.

وهكذا، فإن الاهتمام الأميركي بالكورد ليس نابعًا من تقدير قومي لحقوقهم، بل من موقعهم داخل هندسة الشرق الأوسط الجديد، وهو موقع لا تستطيع تركيا أو إيران أو حتى الدول العربية تجاهله.

وفي مقابل هذا التحول، تبدو تركيا أمام اختبارٍ تاريخي:

إما أن تنفذ عملية تغيير داخلي جذرية تبدأ بحلّ القضية الكوردية تاريخيًا، داخل حدودها أولًا، ثم عبر سياسة منفتحة تجاه الحراك الكوردي في الأجزاء الأخرى؛ أو تُترك لتتآكل من الداخل وتُهمّش خارجيًا، في لحظة تصعد فيها السعودية اقتصاديًا وسياسيًا إلى مستويات غير مسبوقة.

ففي الوقت الذي لا تواجه السعودية أزمة قومية أو عرقية كالتي تواجهها تركيا، فإنها تعاني فجوة حضارية وثقافية–اقتصادية ومذهبية، يحاول محمد بن سلمان ترميمها بإرادة سياسية قوية، وبضغط خارجي وبوعي ذاتي بأن المملكة لن تستطيع مواجهة إيران أو الانخراط في العالم الجديد دون تجاوز إرث التخلف الداخلي.

وقد أظهرت زيارة الأمير الأخيرة لواشنطن أن المملكة باتت في موقع الدولة الصاعدة التي تُعاد هندسة الشرق الأوسط على وقع دورها ومكانتها، بينما تُترك تركيا في موقع الدولة المترددة التي لا تزال أسيرة قيد تاريخي صنعته بيدها، القضية الكوردية.

وحتى تستطيع تركيا إنقاذ نفسها من مستقبل غامض، عليها أن تُعيد صياغة علاقتها بالكورد، لا فقط في الداخل التركي، بل وفي سوريا والعراق، وأن تتوقف عن الضغط على الإدارة الذاتية وقوات قسد، لأن مستقبل سوريا، وفق رؤية القوى الكبرى، يتجه إلى اللامركزية والفيدرالية، وربما يصبح هذا المسار نفسه طوق النجاة الأخير لتركيا من أزمتها الداخلية.

إن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله، لا كفسيفساء عشوائية، بل كخريطة هندسية دقيقة، تلعب فيها القوى الكبرى دور الرسّام، فيما يُترك للآخرين أن يقرروا، هل يريدون أن يكونوا جزءًا من اللوحة، أم مجرد فراغات بين الخطوط؟

د. محمود عباس

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!