الوضع المظلم
الأربعاء ١٤ / يناير / ٢٠٢٦
Logo
خطاب الكراهية… وأبواق الإرهاب الإعلامية
نوري بیخالي

خلال الفترة من 6 - 11 كانون الثاني 2026، شنّ الجيش العربي السوري المتمثل في (فرق مرتزقة عرب تابعة لتركيا ومجموعات إرهابية من بقايا داعش من جنسيات متعددة: الإيغور، الأوزبك، الشيشان، ترکستاني، مصري، مغربي، تونسي، جزائیري، أوروبي وغيرهم، متنكرين بزي الجيش)، هجمات شرسة ووحشية على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية الكورديَّين في حلب.

سبق هجماتِ المسلحين الهمجَ، التي شاركت فيها (110) دبابة، و(57) مدرعة، و(22) راجمة صواريخ، و(68) طائرة مسيّرة، و(4) طائرات بيرقدار التركية، وعشرات مدافع بعيدة المدى، قصفٌ مكثف استهدف المدنيين والمستشفيات والمراكز المدنية والمساجد، مما أدّى إلى وقوع مئات الضحايا من قتلى وجرحى بين الأطفال والنساء والشيوخ، هذا إضافة إلى نزوح قرابة 200 ألف شخص. كما وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان والمركز السوري للعدالة والمساءلة انتهاكات صادمة وجرائم إعدام ميدانية وتمثيلًا بالجثث على أيدي هؤلاء المرتزقة والإرهابيين، بما في ذلك مقاطع مصوَّرة لإلقاء جثة مقاتلة كوردية من شرفة.

ومن بين تلك الأحداث الدامية، برز موضوع آخر أثار جدلًا واسعًا بين الأوساط الإعلامية والمنظمات المدنية، ألا وهو التغطية الإعلامية العربية لتلك الأحداث. حيث إن بعض القنوات الفضائية الكبرى، ومنها الجزيرة والعربية، ليس فقط تجاهلت وحشية الهجمات والجرائم التي نفّذتها قوى الارتزاق والإرهاب بحق المدنيين الكورد والانتهاكات التي تعرّضوا لها، بل اتخذت مواقف سياسية وأيديولوجية واضحة انعكست على طبيعة تقاريرها وتحليلاتها، وأعطت الشرعية لتلك الجرائم والبربرية.

في وقت وثّقت فيه منظمات حقوقية محلية ودولية حالات قصف عشوائي للحيَّين، واستخدام أسلحة غير تقليدية، واستهداف المدنيين، وإعدامات ميدانية، وإذلال الناس العزل، وهتك للأعراض، وحالات تنكيل بجثث الضحايا، قامت تلك القنوات بالتعتيم المتعمّد على هذه الجرائم، مما يثير تساؤلات جدية حول معايير الاختيار الإخباري والأولويات المهنية لتلك القنوات.

على سبيل المثال، مارست قناتا الجزيرة والعربية الانتقائية في تغطيتهما للأحداث، وتجاهلتا التغطية الإعلامية لما حدث في الأحياء الكوردية عمدًا، رغم التقارير التي وثّقت سقوط مئات الضحايا المدنيين نتيجة القصف.

والجميع يعرف أن التغطية الانتقائية تشكّل وعي الجمهور بطريقة مشوّهة، حيث يصبح البعض “مرئيين”، بينما يظل آخرون في الظل. وهذا الأمر يؤثر على الضغط الدولي والإنساني لوقف الانتهاكات، ويخلق بيئة من الإفلات من العقاب.

كما أن هاتين القناتين تبنّتا خطابًا يتماشى مع أجندات سياسية إقليمية ويتناغم مع الإرهاب، مما أفقدهما حيادهما وموضوعيتهما. فبدلًا من التركيز على الانتهاكات بحق المدنيين وكشف هوية مرتكبيها، صنّفتا الضحايا والجناة وفق معايير سياسية - أيديولوجية وليست إنسانية.

في حين يُفترض بالإعلام في أوقات الصراعات أن يكون صوتًا للضحايا، وأن يوثّق الانتهاكات بشكل محايد دون تمييز، انحازت الجزيرة والعربية، ومعهما قنوات ومؤسسات إعلامية عربية أخرى علنًا دون خجل، لقوى الارتزاق والإرهاب التي حاولت جاهدة إخفاء وجهها الداعشي الحقيقي تحت قناع وعباءة الجيش. وبخيانتها للمهنة ومساهمتها في تعميق الجراح، أثبتت تلك القنوات أن خطابها وعملها الإعلامي لا يمتّان بصلة إلى المهنية والمعايير الأخلاقية.

ختامًا، يمثّل ما حدث في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية اختبارًا للمهنية والأخلاق الإعلامية في العالم العربي. فبصمتها وتجاهلها إزاء معاناة المدنيين لأسباب سياسية وأيديولوجية، وافتقادها المعايير المهنية التي تضع الحقيقة والإنسان فوق أي اعتبار سياسي أو أيديولوجي، خانت الجزيرة والعربية ومن على شاكلتهما (وكالة أناضول والحدث والإخبارية السورية وهلم جرًّا) الرسالة الإعلامية وقيم العدالة والإنسانية، وأصبحت أبواقًا للارتزاق والإرهاب بامتياز!
————————————

 هذا المقال يعبّر عن رأيي ووجهة نظري وقناعتي الشخصية، ولا يعبّر بأي شكل من الأشكال، لا من قريب ولا من بعيد، عن سياسة المؤسسة التي أعمل بها.

ليفانت: نوري بيخالي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!